jom55_5
22-Aug-2007, 03:13 AM
تحطيم القبور ليس من شيم أهل الثغور
عمان – فراس برس – كتب سفيان صيام
هناك العديد من القضايا التي تشهد إجماعاً أصبح نادراً هذه الأيام في مجتمعنا ، وذلك إما لخصوصية الحدث أو مخالفته لأبسط قواعد الكرامة للإنسان وفق ما أمر به الله عزوجل ، أو لأنها تشكل خرقاً فاضحاً لكل قيم الإنسانية التي عرفتها البشرية منذ وجد آدم عليه السلام على سطح البسيطة ، وكانت أول جريمة قتل بيد أحد أبنائه الذي قتل أخاه ، وبمجرد قتله كان شاغله البحث عن طريقة يواري فيها سوءة أخيه ، ولما عجز عن ذلك أرسل الله عزوجل غراباً ليعلمه كيف يدفن جثة أخيه ، وهنا أصيب القاتل بعظيم الندم وشديد الحزن على ما اقترفته يداه ، وعجزه عن إدراك ما أدركه الغراب .
ونحن هنا نريد أن نقتل الرجل ثم نريد أن نقتل القبر .
الحديث هنا يدور عن سميح المدهون مرة أخرى ولكن ليس بشخصه ، الذي له ما له وعليه ماعليه ، وإنما لسلوكيات ارتبطت باسم هذا الرجل وحصل عليها إجماع كل من يملك ذرة من قيم الإنسانية أو ذرة من ضمير حي أو وزن بُرة من خير .
سميح عاش حياة حافلة بالأحداث ، فهو مُختلف فيه لدى العديد من أبناء شعبنا فهناك من يعتبره رمزاً من رموز النضال ، وهناك من يعتبره أميراً من أمراء القتال ، هناك من اعتبر حياته درباً من دروب الجهاد ، وهناك من رآها مسلكا من مسالك القتل والإفساد ، ولكن المؤكد أن كل البشر مثل سميح في ذلك ، وذاكرتي على الأقل لا تعرف رجلاَ - لو كان نبياًَ - حاز على الإجماع في رضا الناس ، فرضا الناس غاية لا تدرك .
والمؤكد أيضاًَ أن سميح المدهون أصبح اسماً لامعاً بعد موته بأضعاف أضعاف ما كان عليه وقت حياته ، ويكفي أن هناك من يحاول استفزاز من قتله بمجرد أغنية أو صورة أو شعار ، وكم هو لامع أن يكون مجرد اسمك أو صورتك مستفزاً لهذا الحد !!؟؟ وفي خضم هذا الاختلاف والتأكيد ، والتعاكس في وجهات النظر إلى سميح المدهون ، تطفو على السطح بعض الأمور التي تحوز اجماعاً - كما وضحت- من كل صاحب قلب نظيف لم يلوث ، ولعل ما حدث مع سميح - بالذات - في موقفين يعتبر من تلك الأمور .
فلو اختلفنا جميعاً على قتل سميح فكان منا من يرى أنه قتل قصاصاً على ما فعله ، وكان منا من يرى أنه قتل مظلوماً ، فإننا ربما نتفق جميعاً على أن قتله بتلك الطريقة البشعة كان وصمة عار ، بعدما حدث في هذه الجريمة من تمثيل وتنكيل وسحل لجثة إنسان - بغض النظر عن كونه سميح أو غيره - .
خصوصاً وأن إسلامنا الحنيف نهى وبشدة عن مثل هذه التصرفات ، وكان مبدأه إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإن قتلتم فأحسنوا القتلة وهذا جزء من حديث للرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح الإمام مسلم ويقول العلماء في تحليله ، ( فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ) ، توجيه نبوي إلى الإحسان في هيئة القتل ، ويكون ذلك بالإسراع في إزهاق النفس التي أبيح دمها حال القصاص أو حال الحرب ، ولئن جاز للمسلمين معاملة من حاربهم بالمثل ، فإن ذلك لا يبيح لهم التمثيل بالقتلى ، والتشويه للجثث بدون سبب شرعي ، لما في ذلك من منافاة للمثل العليا التي يدعو إليها ديننا الحنيف .
ولذلك لم يكن غريباً أن نسمع الذين دافعوا عن وجوب قتله يستنكرون ويرفضون ما حدث له بعد مقتله ، ولا أبالغ أنهم لم يكونوا يملكون إلا الرفض والإدانة . ومن ناحية أخرى فإن ما طالعتنا به وسائل الإعلام بخصوص تحطيم قبر سميح المدهون ، على يد مجهولين كان أمرا مثيرا للإحباط ، فهذا التصرف الأرعن الأهوج الذي تعجز عن وصفه المعاجم ، وتعجز حروف اللغة عن التعبير عنه والإتيان بكلام يوازي حجم الجريمة ، فلو قلنا إن ما حدث لحظة قتله كان نتيجة حالة عاطفية فماذا نقول في تحطيم القبر ؟ ، وماذا يمكن أن نقول عن إنسان انحدرت لديه كل قيم الإنسانية فتجرأ على التسلل كاللص إلى المقبرة ، وتجرأت يداه على تناول معول يحطم به قبراً لإنسان – بغض النظر عن صاحبه - ، فما الذي كان يريده هذا المجرم وهو يحطم قبر رجل مسلم .
وفي هذا المقام أقول أن ما حدث جريمة بما تحمله هذه الكلمة من معنى وليس المقصود بذلك سميح المدهون فقد رحل الرجل وهو الآن في دار الحق بينما نحن في دار الباطل ، وإنما لأن هذا يمثل اعتداء على حرمات المسلمين ومقابرهم ، وإنسانيتهم ، ويمثل اعتداء على كل قيم الخير في الشخصية الفلسطينية المسلمة .
من فعل هذا الفعل المعيب لم يقتل سميح فسميح قد مات والشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها ،لكنه قتل الدين و قتل الأخلاق وقتل التسامح والعفو والصفح ، وقتل أم سميح ، وإخوته ، وزوجته ، وبالأخص قتل ابنه الصغير ، الذي ُنصِّر جميعاً على تحميله ما لا يطيقه أعتى الرجال ، وهو يكبر يوماً بعد يوم وصورة مقتل أبيه ماثلةً أمام عينيه ، ثم لا نكتفي بذلك بل نضيف لها صورة قبره المحطم . يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة وصححه الإمام مسلم في صحيحه ( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر) ، فإن كان هذا بال الجالس على القبر فما بالكم بمن يحطمه .
للأسف هناك العديد من القناعات والسلوكيات التي باتت تغزونا وهي غريبة عن عاداتنا وطبائعنا لعل أخطرها الحقد والرغبة في الانتقام ، حتى جعلت الحليم حيراناً ، ولكن في النهاية أقول باختصار تحطيم القبور ليس من شيم أهل الثغور .
عمان – فراس برس – كتب سفيان صيام
هناك العديد من القضايا التي تشهد إجماعاً أصبح نادراً هذه الأيام في مجتمعنا ، وذلك إما لخصوصية الحدث أو مخالفته لأبسط قواعد الكرامة للإنسان وفق ما أمر به الله عزوجل ، أو لأنها تشكل خرقاً فاضحاً لكل قيم الإنسانية التي عرفتها البشرية منذ وجد آدم عليه السلام على سطح البسيطة ، وكانت أول جريمة قتل بيد أحد أبنائه الذي قتل أخاه ، وبمجرد قتله كان شاغله البحث عن طريقة يواري فيها سوءة أخيه ، ولما عجز عن ذلك أرسل الله عزوجل غراباً ليعلمه كيف يدفن جثة أخيه ، وهنا أصيب القاتل بعظيم الندم وشديد الحزن على ما اقترفته يداه ، وعجزه عن إدراك ما أدركه الغراب .
ونحن هنا نريد أن نقتل الرجل ثم نريد أن نقتل القبر .
الحديث هنا يدور عن سميح المدهون مرة أخرى ولكن ليس بشخصه ، الذي له ما له وعليه ماعليه ، وإنما لسلوكيات ارتبطت باسم هذا الرجل وحصل عليها إجماع كل من يملك ذرة من قيم الإنسانية أو ذرة من ضمير حي أو وزن بُرة من خير .
سميح عاش حياة حافلة بالأحداث ، فهو مُختلف فيه لدى العديد من أبناء شعبنا فهناك من يعتبره رمزاً من رموز النضال ، وهناك من يعتبره أميراً من أمراء القتال ، هناك من اعتبر حياته درباً من دروب الجهاد ، وهناك من رآها مسلكا من مسالك القتل والإفساد ، ولكن المؤكد أن كل البشر مثل سميح في ذلك ، وذاكرتي على الأقل لا تعرف رجلاَ - لو كان نبياًَ - حاز على الإجماع في رضا الناس ، فرضا الناس غاية لا تدرك .
والمؤكد أيضاًَ أن سميح المدهون أصبح اسماً لامعاً بعد موته بأضعاف أضعاف ما كان عليه وقت حياته ، ويكفي أن هناك من يحاول استفزاز من قتله بمجرد أغنية أو صورة أو شعار ، وكم هو لامع أن يكون مجرد اسمك أو صورتك مستفزاً لهذا الحد !!؟؟ وفي خضم هذا الاختلاف والتأكيد ، والتعاكس في وجهات النظر إلى سميح المدهون ، تطفو على السطح بعض الأمور التي تحوز اجماعاً - كما وضحت- من كل صاحب قلب نظيف لم يلوث ، ولعل ما حدث مع سميح - بالذات - في موقفين يعتبر من تلك الأمور .
فلو اختلفنا جميعاً على قتل سميح فكان منا من يرى أنه قتل قصاصاً على ما فعله ، وكان منا من يرى أنه قتل مظلوماً ، فإننا ربما نتفق جميعاً على أن قتله بتلك الطريقة البشعة كان وصمة عار ، بعدما حدث في هذه الجريمة من تمثيل وتنكيل وسحل لجثة إنسان - بغض النظر عن كونه سميح أو غيره - .
خصوصاً وأن إسلامنا الحنيف نهى وبشدة عن مثل هذه التصرفات ، وكان مبدأه إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإن قتلتم فأحسنوا القتلة وهذا جزء من حديث للرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح الإمام مسلم ويقول العلماء في تحليله ، ( فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ) ، توجيه نبوي إلى الإحسان في هيئة القتل ، ويكون ذلك بالإسراع في إزهاق النفس التي أبيح دمها حال القصاص أو حال الحرب ، ولئن جاز للمسلمين معاملة من حاربهم بالمثل ، فإن ذلك لا يبيح لهم التمثيل بالقتلى ، والتشويه للجثث بدون سبب شرعي ، لما في ذلك من منافاة للمثل العليا التي يدعو إليها ديننا الحنيف .
ولذلك لم يكن غريباً أن نسمع الذين دافعوا عن وجوب قتله يستنكرون ويرفضون ما حدث له بعد مقتله ، ولا أبالغ أنهم لم يكونوا يملكون إلا الرفض والإدانة . ومن ناحية أخرى فإن ما طالعتنا به وسائل الإعلام بخصوص تحطيم قبر سميح المدهون ، على يد مجهولين كان أمرا مثيرا للإحباط ، فهذا التصرف الأرعن الأهوج الذي تعجز عن وصفه المعاجم ، وتعجز حروف اللغة عن التعبير عنه والإتيان بكلام يوازي حجم الجريمة ، فلو قلنا إن ما حدث لحظة قتله كان نتيجة حالة عاطفية فماذا نقول في تحطيم القبر ؟ ، وماذا يمكن أن نقول عن إنسان انحدرت لديه كل قيم الإنسانية فتجرأ على التسلل كاللص إلى المقبرة ، وتجرأت يداه على تناول معول يحطم به قبراً لإنسان – بغض النظر عن صاحبه - ، فما الذي كان يريده هذا المجرم وهو يحطم قبر رجل مسلم .
وفي هذا المقام أقول أن ما حدث جريمة بما تحمله هذه الكلمة من معنى وليس المقصود بذلك سميح المدهون فقد رحل الرجل وهو الآن في دار الحق بينما نحن في دار الباطل ، وإنما لأن هذا يمثل اعتداء على حرمات المسلمين ومقابرهم ، وإنسانيتهم ، ويمثل اعتداء على كل قيم الخير في الشخصية الفلسطينية المسلمة .
من فعل هذا الفعل المعيب لم يقتل سميح فسميح قد مات والشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها ،لكنه قتل الدين و قتل الأخلاق وقتل التسامح والعفو والصفح ، وقتل أم سميح ، وإخوته ، وزوجته ، وبالأخص قتل ابنه الصغير ، الذي ُنصِّر جميعاً على تحميله ما لا يطيقه أعتى الرجال ، وهو يكبر يوماً بعد يوم وصورة مقتل أبيه ماثلةً أمام عينيه ، ثم لا نكتفي بذلك بل نضيف لها صورة قبره المحطم . يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة وصححه الإمام مسلم في صحيحه ( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر) ، فإن كان هذا بال الجالس على القبر فما بالكم بمن يحطمه .
للأسف هناك العديد من القناعات والسلوكيات التي باتت تغزونا وهي غريبة عن عاداتنا وطبائعنا لعل أخطرها الحقد والرغبة في الانتقام ، حتى جعلت الحليم حيراناً ، ولكن في النهاية أقول باختصار تحطيم القبور ليس من شيم أهل الثغور .