التمس
27-Jun-2008, 10:13 AM
bsml:
في المفهوم الثوري لحركة فتح
'لدينا طريق وحيد لإنقاذ فلسطين، وهو طريق شاق وصعب. لكنه طريق الحياة الوحيد. إنه طريق الثورة'. (مجلة فلسطيننا ـ العدد 12 ـ كانون أول 1960)
'إن المنطلقات الحضارية التي حكمت ثورتكم، والمُثل السامية التي اتسمت بها مسيرتكم النضالية دفاعاً عن الحق وعن الأرض وعن المبادئ المقدسة، هي التي جعلتها محور الاستقطاب لمجمل حركة الجماهير العربية ونقطة الارتكاز الأساسية لكل الثوار العرب الشرفاء، وجعلتها، انطلاقاً من ذلك كله، ساحة الصدام الرئيسية ضد قوى البغي والعدوان...' (رسالة الشهيد الرمز أبو عمار: الثورة مستمرة ـ بمناسبة مرور ثمانية أعوام على انطلاقة فتح)
'إن موضوع الثورة بشكل مطلق لا خيار لنا فيه. فالثورة طريق يفرضه منطق الحوادث والتاريخ الذي سيّر جيوش الغزو والاحتلال، وسيّر خلفها انتفاضات الثوّار المتكررة. هذا المنطق يؤكد أنه لا بد أن يكون في بلادنا ثورة، ومهما تأخرت فإنها لا بد أن تأتي لتصحيح هذا الوضع الشاذ'. (الشهيد القائد كمال عدوان ـ حوار حول فتح الميلاد والمسيرة بمناسبة مرور 8 أعوام على انطلاقة فتح)
'لعله من المفيد أن أبادر إلى القول، وبلا مقدمات، أننا نؤمن بأن الطريق الوحيد لتحرير كامل ترابنا الوطني الفلسطيني هي طريق حرب الشعب طويلة المدى'. (الشهيد القائد صلاح خلف ـ أفكار واضحة أمام مرحلة غامضة)
إرتأيت أن أفتتح هذا الموضوع بهذه الشواهد على سبيل التمثيل لا الحصر. فالكم الهائل من الشواهد المشابهة التي عثرت عليها بخصوص هذا الموضوع لا يمكن حصرها في أسطر أو صفحات قليلة.
'حركة فتح حركة وطنية ثورية ولعضويتها صفة السرية' . هذا هو ما انطلقت عليه حركة التحرير الوطني الفلسطيني ـ فتح. حركة وليست حزباً. حركة وطنية تقبل الجميع، حركة ثورية فلسطينية مسلحة، 'أصبحت حركة جماهيرية فلسطينية مسلحة شدّت إليها الجماهير العربية إلى حد الاندفاع إلى طلب الانخراط بها والمساهمة الفعلية على أرض المعركة' . حركة تحرر وطني ربطت القضية الفلسطينية بحركات التحرر الوطني وبالثورة العالمية على الصعيدين النظري والعملي. حركة وطنية ثورية لتحرير فلسطين. تحرير الأرض والإنسان وتصفية الكيان الصهيوني سياسياً واجتماعياً وفكرياً، للوصول إلى إقامة الدولة الفلسطينية الحرة الديمقراطية، 'حيث الانتماء لها سيكون فردياً، أي انتماء مواطنين وليس جماعات أو طوائف، جميع المواطنين فيها متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس من الجنس أو الدين أو العقيدة' . حركة وطنية ثورية استطاعت أن تحرك الوجود الفلسطيني وتبعث الشخصية الفلسطينية محلياً ودولياً، من خلال طليعتها التي استقطبت الجماهير الفلسطينية والعربية والثورية في العالم في طريق الثورة المسلحة.
واسمحوا لي أن أسوق تعريفاً علمياً للثورة، مقارناً بمنطلقات حركة فتح، ومؤكداً على ثوريتها، حسب ما طرحه المقدّم الهيثم الأيوبي: 'الثورة تعبير جماهيري منظّم عن رفض واقع ظالم لا يحتمل، والسعي إلى تغييره بمختلف الأساليب العنيفة. وفق مخطط واضح المعالم، مع السير على خط التطور التاريخي، تحت لواء قيادة موهوبة واعية مؤمنة بالجماهير وقادرة على تجسيد تطلعاتها. وإن فقدت الثورة طابعها الجماهيري، غدت انقلاباً، وإن أضاعت مخططاتها، أصبحت حركة فوضوية تدور في مكانها ولا تصل إلى هدف محدد، وإذا لم تتح لها القيادة الموهوبة الواعية، تبعثرت جهودها وتضاربت نشاطاتها وتشرذمت على الطريق، وإن توفرت لها جميع الشروط، وسبحت رغم ذلك عكس تيار التطور التاريخي، فقدت صفتها كثورة، وغدت ثورة مضادة. وإذا انطلقنا من هذا التعريف العلمي للثورة، وجدنا أن حركة النضال المسلح الفلسطيني (...) كانت ثورة بكل ما في الكلمة من معنى. فلقد انطلقت كتعبير مسلح عن رفض الجماهير الفلسطينية لواقع القهر الصهيوني ـ الإمبريالي، وحددت لنفسها هدفاً بعيداً هو تخليص العرب واليهود من الفكرة العنصرية الصهيونية، وبناء دولة ديمقراطية يعيش فيها الجميع بسلام. وسارت نحو هذا الهدف الواقع على مسار خط التطور التاريخي، تحت لواء قيادات واعية لأهدافها وإمكاناتها وحقائق الظروف المحلية والدولية المحيطة بها، تعمل مع الجماهير الملتفة حولها من أجل تحقيق تطلعات هذه الجماهير وأهدافها العادلة' .
وانطلاقاً من هذا التعريف ـ المقارنة، يمكننا أن نثبت شمولية مصطلح (الثورة) على حركة فتح بكل منطلقاتها وفكرها ومبادئها وأهدافها وأسلوبها، استراتيجيتها وتكتيكاتها، برامجها السياسية، وكامل مراحل مسيرتها وصولاً إلى اللحظة الراهنة.
إن حركة فتح باعتبارها انطلاقة جماهيرية منظمة ومحددة الأسس والملامح، من أجل رفض الواقع الظالم وإحداث التغيير الذي تطمح إليه الجماهير بمختلف الأساليب التي تتمحور جميعها في إطار أسلوب حرب الشعب طويلة الأمد، هي حركة ثورية بامتياز، وليست حركة مقاومة فحسب، أو جبهة رفض، أو تكتلاً أيديولوجياً لفرض واقع طبقي أو عقائدي معين. هي ثورة أدركت منذ انطلاقتها أن أسلوبها في حرب الشعب طويلة الأمد هو الطريق والاستراتيجية الوحيدة البديلة للاستسلام وضياع الوطن. وفتح لم تعطِ لنفسها تسمية (حركة مقاومة) كي لا تكون مكرهة في وقت من الأوقات وتحت أي ظرف من الظروف على الجمود التام عن التحرك. فاعتبرت (مرحلةَ) النضال جزءاً لا يتناقض ولا يتجزأ من أسلوب الحرب الشعبية طويلة الأمد، وآمنت أن النضال المسلح وحده (وهو ما تتبناه معظم الحركات المسماة مقاومة) وبمعزل عن النضال السياسي والتعبئة الجماهيرية، هو موقف ثوري ناقص. لقد أعلنت حركة فتح 'أن الثورة الشعبية المسلحة التي نخوضها تنطلق من موقف مبدئي وهو أن قضيتنا هي قضية الجماهير وليست قضية فئة مميزة منفصلة عن هذه الجماهير' . كما أعلنت أن 'الثورة الشعبية المسلحة هي الطريق الحتمي الوحيد لتحرير فلسطين' . وبالتالي نلاحظ تأكيد الحركة على الاعتماد على الجماهير والثقة بها، وإطلاق مبادراتها، وتنظيمها وتسليحها من أجل ضرب المؤامرات على اختلافها وتجاوز الصعاب والوصول إلى تحقيق أهداف الثورة، التي هي بطبيعة الحال أهداف الجماهير. وحذرت فتح من 'أن كلمة الجماهير كثيراً ما تلوّح بها حركات إصلاحية عديدة، وتتخذ في نضالها شكل المظاهرات والإضرابات والتخريب والمقاومة الآنية لقوى الاحتلال، وهذا من شأنه في كثير من الحالات أن يجهض النضال الشعبي ويؤدي إلى فتور ويأس الحركات الثورية' . من هنا رفضت فتح أن تكون حركة مقاومة آنية، ولكنها ثورة شاملة لإحداث التغيير الجذري في الواقع المرفوض وطنياً.
وكان اختيار النهج الثوري ـ عن إيمان وتعقل مطلقين ـ لمواجهة خطر التخلي عن أولوية هدف تحرير فلسطين واستراتيجية وتكتيك حرب الشعب طويلة الأمد. ولقد أثبتت التجارب عبر كافة محطات القضية الفلسطينية أن هذا النهج هو الوحيد القابل للحياة والاستمرار، وما سواه من تسميات وخطوط فكرٍ وعمل تقوقعت في جوانب ضيقة من الأيديولوجيا أو النظريات الاجتماعية أو الجبهات المحدودة أو المقاومة الآنية ذات الفعل القائم على ردات الفعل، أثبتت التجارب أنها لا تلبث أن يطويها النسيان، والأخطر أنها لطالما شكلت عامل ضغط سلبي لزحزحة وحرف مسيرة الثورة (وهي مسيرة الجماهير) عن أهدافها الأساسية، وإعادة الصراع إلى مراحل ما قبل تحديد التناقض الرئيسي مع الوجود الصهيوني، ونقله إلى صراعات هامشية أخرى، فكرية، أيديولوجية، عقائدية، حزبية، أو إقليمية. ولذلك قالت فتح: 'إن حل قضية فلسطين لا بد أن يتم عن طريق الحرب الشعبية التي تعتمد الجماهير أداة واعية لتحقيقها، ... لأن طبيعة الحل الشعبي هو الكفيل بتصفية دولة الاحتلال الصهيوني سياسياً واجتماعياً وفكرياً' . ونلاحظ في العبارة الأخيرة أن هدف التحرير وتحقيق النصر على التناقض الرئيسي ـ الاحتلال الصهيوني ـ يتطلب بداية خلق حالة من (الجماهير الواعية)، حيث يسير الكفاح المسلح والتوعية الجماهيرية جنباً إلى جنب، 'لأن النضال المسلح يشعر الجماهير بشخصيتها الفاعلة، ويعيد لها الثقة بالنفس' ، وبالتالي يمكّن الثورة من الحفاظ على نهجها ومسيرتها النضالية في سبيل تحقيق أهداف الجماهير. هذه الحالة من التوعية الجماهيرية الحقيقية التي مارستها ـ وتمارسها ـ فتح، غالباً ما تشهد لدى الأحزاب والحركات الأخرى غير الثورية نوعاً من التمييع يصل بالتعبئة الجماهيرية إلى المستوى المعلّب والمُدجّن الذي يخدم الأهداف الضيقة لتلك الأحزاب والحركات، المتمثلة عادة ـ كما برهن الانقلاب في غزة مؤخراً ـ في الاستماتة في الدفاع والحفاظ على الكيانية الحزبية أو الفصائلية ولو على حساب الجماهير ونضالاتها وتطلعاتها.
'لقد قامت الثورة الفلسطينية بدراسة عميقة لظروف النضال الفلسطيني وللتناقضات في الساحة الفلسطينية وللقوى الصديقة والعدوة، وكذلك للمهام الراهنة التي لا بد من إنجازها، وبعد كل هذا طرحت استراتيجية الكفاح المسلح الطويل الأمد كطريق وحيد للنضال الفلسطيني' . وبالتالي فحركة فتح عندما أطلقت نظريتها الثورية، ومن خلال ممارستها المستمرة لمنطلقاتها، تأخذ بعين الاعتبار الوطني تحليل الظروف المحيطة بنطاق فعلها الثوري من أزمات وصراعات وموازين قوى، واستكشاف أدق تفاصيل مسائل الاستراتيجية والتكتيك، وأشكال النضال وغير ذلك من جوانب ومستلزمات حرب الشعب المعتمدة، في كل الظروف والمراحل. وذلك يتطلب واقعية متميزة تتعامل مع الواقع باعتباره 'موضوعاً للتفكير، نفهمه، ونحلله، لنفعل فيه، لنغيره، بخلق حقائق جديدة. هي واقعية ما يجب أن يكون، وليس ما يمكن أن يكون' . وهذا أيضاً ما تفتقر إليه ما تسمى بحركات المقاومة أو جبهات الممانعة أو غير ذلك، حيث تتقولب نظرياتها فيما يشبه الواقعية الخاضعة لمتطلبات التبعية والولاء، أو لمتطلبات ثوابت النظريات الأيديولوجية والاجتماعية. فتنطلق بممارسة فعلها من باب تحريم وتجريم أي فعل آخر بمجرد أنه لا يتوافق مع مسلّماتها، وليس أن يعارضها فيها. ونظراً لهذا الشلل أو الجمود التام، وتمر بمراحل سكون قد يكون مطلقاً، أو قد تنعكس ممارساتها وبالاً على الجماهير، حيث تتبنى النظرة الخاطئة للتغيير وتروّج لها، بأنه مجرد قرار بالحرب أو عدم الحرب، بينما تمارس حركة فتح، بحكم كونها حركة ثورية، التغيير في تكريس مفهوم الاستراتيجية الفلسطينية في مواجهة العدو الصهيوني، وحرب الشعب طويلة الأمد في مواجهة الحرب الخاطفة. ويدلّل الدكتور كلوفيس مقصود على أصالة الثورة وصحة نهجها في هذا المجال بقوله: 'إن الثورة الأصيلة عندما تصل إلى مثل هذا الوضع (...) الذي تتضاءل فيه أمامها الخيارات، تتوجه إلى ذاتها من أجل استخراج طاقاتها الجدلية والإبداعية بدلاً من التسليم بأن عليها التقرير في أيٍّ من هذه الخيارات... والثورة في صدد ترجمة مادية للمواقف من حيث تتمكن أن تستفيد من الوقائع والظروف بقدر الإمكان وأن تغير منها باتجاه ما تفرضها التزاماتها المبدئية بقدر الإمكان. هذا هو مكمن التحدي للفكر الجدلي الذي تنطوي عليه كل ثورة أصيلة وكل حركة هادفة نحو إيجاد التغييرات الجذرية'' . فحركة فتح كحركة ثورية أصيلة برهنت عبر عشرات المواقف والأزمات التي اعترضت طريق الثورة وهددت تطلعات الجماهير، أنها قادرة بثوريتها الوطنية على الخروج من هذه المطبات والأزمات أصلب وأقوى من ذي قبل، ولم تحصر نفسها في زاوية الخضوع لخيارات مفروضة، بل عوّدت شعبها على اختلاق خيارات أخرى وطنية تلبي آمال الجماهير وثقتها بالثورة، وتحافظ على استمرار هذه الثورة ومواصلة حرب الشعب طويلة الأمد بمختلف الأساليب.
لقد نبذت حركة فتح القوالب الفكرية الجامدة، وأدركت العلاقة الجدلية بين الفكر والممارسة، وأغنت فكرها على ضوء الممارسة والتجربة. ومارست وتمارس ثوريتها، حتى برهنت عن نفسها كطليعة لكل الجماهير والقوى الثورية في العالم العربي وفي العالم، وجعلت عبر الفكر والممارسة من نظريتها الثورية نهجاً يحتذى في كافة مرافق الحياة، وعالجت قضايا الجماهير السياسية والتنظيمية والاجتماعية والتربوية وغيرها بما يقارب المثالية في التعاطي، ولم تتخلّ يوماً عن الكفاح المسلح ضمن استراتيجية حرب الشعب طويلة الأمد، دون أن تتخذ لنفسها تسمية أو نظرية منغلقة أو محدودة في إطار المقاومة الآنية، أو الأحزاب الأيديولوجية، أو الثورية الشوفينية، وكانت وما زالت ثورة بكل ما للكلمة من معنى، ثورة لتغيير الواقع المرفوض وطنياً وجماهيرياً، وثورة لتحقيق أحلام وتطلعات وآمال الشعب الفلسطيني، وثورة للإنسان الفلسطيني الذي اعتبرته عمادها الأساسي، فأولته كل الاهتمام لشخصه ولفكره ولقدراته، وجعلت منه رسولاً إلى كل العالم يحمل بندقية الثائر وغصن الزيتون والريشة والقلم، يحمل كل إبداعاته التي فجرتها فيه زخماً إضافياً لهذه الثورة، وثورة أذهلت العالم كله وفي مقدمته العدو الأساسي في قدرتها على التكيف مع كل الضغوط التي يمكن أو لا يمكن تخيلها، في سبيل حماية الشعب وأهدافه، وحماية الثورة وضمان استمرارها، لتكون ثورة حتى النصر.
وللختام، كلمة لرمز هذه الثورة العظيمة، الشهيد القائد ياسر عرفات، يصح توجيهها في كل يوم، ولكل ثائر في درب هذه الثورة:
'عليكم يا رفاق الدرب الطويل الشاق، ان تثبتوا كما أثبتم دائماً وأبداً، أن الثوار في الثورة الفلسطينية، مهما اختلفت جنسياتهم وهوياتهم وتواجدهم وأماكنهم، سيظلون عند حسن ظن أمتهم العربية بهم وأنهم سيبذلون النفس والنفيس وكل مرتخص وغالٍ للذود عن حياض الأمة وتاريخها وقيمها وحضارتها أمام الهجمة الصهيونية الإمبريالية' .
في المفهوم الثوري لحركة فتح
'لدينا طريق وحيد لإنقاذ فلسطين، وهو طريق شاق وصعب. لكنه طريق الحياة الوحيد. إنه طريق الثورة'. (مجلة فلسطيننا ـ العدد 12 ـ كانون أول 1960)
'إن المنطلقات الحضارية التي حكمت ثورتكم، والمُثل السامية التي اتسمت بها مسيرتكم النضالية دفاعاً عن الحق وعن الأرض وعن المبادئ المقدسة، هي التي جعلتها محور الاستقطاب لمجمل حركة الجماهير العربية ونقطة الارتكاز الأساسية لكل الثوار العرب الشرفاء، وجعلتها، انطلاقاً من ذلك كله، ساحة الصدام الرئيسية ضد قوى البغي والعدوان...' (رسالة الشهيد الرمز أبو عمار: الثورة مستمرة ـ بمناسبة مرور ثمانية أعوام على انطلاقة فتح)
'إن موضوع الثورة بشكل مطلق لا خيار لنا فيه. فالثورة طريق يفرضه منطق الحوادث والتاريخ الذي سيّر جيوش الغزو والاحتلال، وسيّر خلفها انتفاضات الثوّار المتكررة. هذا المنطق يؤكد أنه لا بد أن يكون في بلادنا ثورة، ومهما تأخرت فإنها لا بد أن تأتي لتصحيح هذا الوضع الشاذ'. (الشهيد القائد كمال عدوان ـ حوار حول فتح الميلاد والمسيرة بمناسبة مرور 8 أعوام على انطلاقة فتح)
'لعله من المفيد أن أبادر إلى القول، وبلا مقدمات، أننا نؤمن بأن الطريق الوحيد لتحرير كامل ترابنا الوطني الفلسطيني هي طريق حرب الشعب طويلة المدى'. (الشهيد القائد صلاح خلف ـ أفكار واضحة أمام مرحلة غامضة)
إرتأيت أن أفتتح هذا الموضوع بهذه الشواهد على سبيل التمثيل لا الحصر. فالكم الهائل من الشواهد المشابهة التي عثرت عليها بخصوص هذا الموضوع لا يمكن حصرها في أسطر أو صفحات قليلة.
'حركة فتح حركة وطنية ثورية ولعضويتها صفة السرية' . هذا هو ما انطلقت عليه حركة التحرير الوطني الفلسطيني ـ فتح. حركة وليست حزباً. حركة وطنية تقبل الجميع، حركة ثورية فلسطينية مسلحة، 'أصبحت حركة جماهيرية فلسطينية مسلحة شدّت إليها الجماهير العربية إلى حد الاندفاع إلى طلب الانخراط بها والمساهمة الفعلية على أرض المعركة' . حركة تحرر وطني ربطت القضية الفلسطينية بحركات التحرر الوطني وبالثورة العالمية على الصعيدين النظري والعملي. حركة وطنية ثورية لتحرير فلسطين. تحرير الأرض والإنسان وتصفية الكيان الصهيوني سياسياً واجتماعياً وفكرياً، للوصول إلى إقامة الدولة الفلسطينية الحرة الديمقراطية، 'حيث الانتماء لها سيكون فردياً، أي انتماء مواطنين وليس جماعات أو طوائف، جميع المواطنين فيها متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس من الجنس أو الدين أو العقيدة' . حركة وطنية ثورية استطاعت أن تحرك الوجود الفلسطيني وتبعث الشخصية الفلسطينية محلياً ودولياً، من خلال طليعتها التي استقطبت الجماهير الفلسطينية والعربية والثورية في العالم في طريق الثورة المسلحة.
واسمحوا لي أن أسوق تعريفاً علمياً للثورة، مقارناً بمنطلقات حركة فتح، ومؤكداً على ثوريتها، حسب ما طرحه المقدّم الهيثم الأيوبي: 'الثورة تعبير جماهيري منظّم عن رفض واقع ظالم لا يحتمل، والسعي إلى تغييره بمختلف الأساليب العنيفة. وفق مخطط واضح المعالم، مع السير على خط التطور التاريخي، تحت لواء قيادة موهوبة واعية مؤمنة بالجماهير وقادرة على تجسيد تطلعاتها. وإن فقدت الثورة طابعها الجماهيري، غدت انقلاباً، وإن أضاعت مخططاتها، أصبحت حركة فوضوية تدور في مكانها ولا تصل إلى هدف محدد، وإذا لم تتح لها القيادة الموهوبة الواعية، تبعثرت جهودها وتضاربت نشاطاتها وتشرذمت على الطريق، وإن توفرت لها جميع الشروط، وسبحت رغم ذلك عكس تيار التطور التاريخي، فقدت صفتها كثورة، وغدت ثورة مضادة. وإذا انطلقنا من هذا التعريف العلمي للثورة، وجدنا أن حركة النضال المسلح الفلسطيني (...) كانت ثورة بكل ما في الكلمة من معنى. فلقد انطلقت كتعبير مسلح عن رفض الجماهير الفلسطينية لواقع القهر الصهيوني ـ الإمبريالي، وحددت لنفسها هدفاً بعيداً هو تخليص العرب واليهود من الفكرة العنصرية الصهيونية، وبناء دولة ديمقراطية يعيش فيها الجميع بسلام. وسارت نحو هذا الهدف الواقع على مسار خط التطور التاريخي، تحت لواء قيادات واعية لأهدافها وإمكاناتها وحقائق الظروف المحلية والدولية المحيطة بها، تعمل مع الجماهير الملتفة حولها من أجل تحقيق تطلعات هذه الجماهير وأهدافها العادلة' .
وانطلاقاً من هذا التعريف ـ المقارنة، يمكننا أن نثبت شمولية مصطلح (الثورة) على حركة فتح بكل منطلقاتها وفكرها ومبادئها وأهدافها وأسلوبها، استراتيجيتها وتكتيكاتها، برامجها السياسية، وكامل مراحل مسيرتها وصولاً إلى اللحظة الراهنة.
إن حركة فتح باعتبارها انطلاقة جماهيرية منظمة ومحددة الأسس والملامح، من أجل رفض الواقع الظالم وإحداث التغيير الذي تطمح إليه الجماهير بمختلف الأساليب التي تتمحور جميعها في إطار أسلوب حرب الشعب طويلة الأمد، هي حركة ثورية بامتياز، وليست حركة مقاومة فحسب، أو جبهة رفض، أو تكتلاً أيديولوجياً لفرض واقع طبقي أو عقائدي معين. هي ثورة أدركت منذ انطلاقتها أن أسلوبها في حرب الشعب طويلة الأمد هو الطريق والاستراتيجية الوحيدة البديلة للاستسلام وضياع الوطن. وفتح لم تعطِ لنفسها تسمية (حركة مقاومة) كي لا تكون مكرهة في وقت من الأوقات وتحت أي ظرف من الظروف على الجمود التام عن التحرك. فاعتبرت (مرحلةَ) النضال جزءاً لا يتناقض ولا يتجزأ من أسلوب الحرب الشعبية طويلة الأمد، وآمنت أن النضال المسلح وحده (وهو ما تتبناه معظم الحركات المسماة مقاومة) وبمعزل عن النضال السياسي والتعبئة الجماهيرية، هو موقف ثوري ناقص. لقد أعلنت حركة فتح 'أن الثورة الشعبية المسلحة التي نخوضها تنطلق من موقف مبدئي وهو أن قضيتنا هي قضية الجماهير وليست قضية فئة مميزة منفصلة عن هذه الجماهير' . كما أعلنت أن 'الثورة الشعبية المسلحة هي الطريق الحتمي الوحيد لتحرير فلسطين' . وبالتالي نلاحظ تأكيد الحركة على الاعتماد على الجماهير والثقة بها، وإطلاق مبادراتها، وتنظيمها وتسليحها من أجل ضرب المؤامرات على اختلافها وتجاوز الصعاب والوصول إلى تحقيق أهداف الثورة، التي هي بطبيعة الحال أهداف الجماهير. وحذرت فتح من 'أن كلمة الجماهير كثيراً ما تلوّح بها حركات إصلاحية عديدة، وتتخذ في نضالها شكل المظاهرات والإضرابات والتخريب والمقاومة الآنية لقوى الاحتلال، وهذا من شأنه في كثير من الحالات أن يجهض النضال الشعبي ويؤدي إلى فتور ويأس الحركات الثورية' . من هنا رفضت فتح أن تكون حركة مقاومة آنية، ولكنها ثورة شاملة لإحداث التغيير الجذري في الواقع المرفوض وطنياً.
وكان اختيار النهج الثوري ـ عن إيمان وتعقل مطلقين ـ لمواجهة خطر التخلي عن أولوية هدف تحرير فلسطين واستراتيجية وتكتيك حرب الشعب طويلة الأمد. ولقد أثبتت التجارب عبر كافة محطات القضية الفلسطينية أن هذا النهج هو الوحيد القابل للحياة والاستمرار، وما سواه من تسميات وخطوط فكرٍ وعمل تقوقعت في جوانب ضيقة من الأيديولوجيا أو النظريات الاجتماعية أو الجبهات المحدودة أو المقاومة الآنية ذات الفعل القائم على ردات الفعل، أثبتت التجارب أنها لا تلبث أن يطويها النسيان، والأخطر أنها لطالما شكلت عامل ضغط سلبي لزحزحة وحرف مسيرة الثورة (وهي مسيرة الجماهير) عن أهدافها الأساسية، وإعادة الصراع إلى مراحل ما قبل تحديد التناقض الرئيسي مع الوجود الصهيوني، ونقله إلى صراعات هامشية أخرى، فكرية، أيديولوجية، عقائدية، حزبية، أو إقليمية. ولذلك قالت فتح: 'إن حل قضية فلسطين لا بد أن يتم عن طريق الحرب الشعبية التي تعتمد الجماهير أداة واعية لتحقيقها، ... لأن طبيعة الحل الشعبي هو الكفيل بتصفية دولة الاحتلال الصهيوني سياسياً واجتماعياً وفكرياً' . ونلاحظ في العبارة الأخيرة أن هدف التحرير وتحقيق النصر على التناقض الرئيسي ـ الاحتلال الصهيوني ـ يتطلب بداية خلق حالة من (الجماهير الواعية)، حيث يسير الكفاح المسلح والتوعية الجماهيرية جنباً إلى جنب، 'لأن النضال المسلح يشعر الجماهير بشخصيتها الفاعلة، ويعيد لها الثقة بالنفس' ، وبالتالي يمكّن الثورة من الحفاظ على نهجها ومسيرتها النضالية في سبيل تحقيق أهداف الجماهير. هذه الحالة من التوعية الجماهيرية الحقيقية التي مارستها ـ وتمارسها ـ فتح، غالباً ما تشهد لدى الأحزاب والحركات الأخرى غير الثورية نوعاً من التمييع يصل بالتعبئة الجماهيرية إلى المستوى المعلّب والمُدجّن الذي يخدم الأهداف الضيقة لتلك الأحزاب والحركات، المتمثلة عادة ـ كما برهن الانقلاب في غزة مؤخراً ـ في الاستماتة في الدفاع والحفاظ على الكيانية الحزبية أو الفصائلية ولو على حساب الجماهير ونضالاتها وتطلعاتها.
'لقد قامت الثورة الفلسطينية بدراسة عميقة لظروف النضال الفلسطيني وللتناقضات في الساحة الفلسطينية وللقوى الصديقة والعدوة، وكذلك للمهام الراهنة التي لا بد من إنجازها، وبعد كل هذا طرحت استراتيجية الكفاح المسلح الطويل الأمد كطريق وحيد للنضال الفلسطيني' . وبالتالي فحركة فتح عندما أطلقت نظريتها الثورية، ومن خلال ممارستها المستمرة لمنطلقاتها، تأخذ بعين الاعتبار الوطني تحليل الظروف المحيطة بنطاق فعلها الثوري من أزمات وصراعات وموازين قوى، واستكشاف أدق تفاصيل مسائل الاستراتيجية والتكتيك، وأشكال النضال وغير ذلك من جوانب ومستلزمات حرب الشعب المعتمدة، في كل الظروف والمراحل. وذلك يتطلب واقعية متميزة تتعامل مع الواقع باعتباره 'موضوعاً للتفكير، نفهمه، ونحلله، لنفعل فيه، لنغيره، بخلق حقائق جديدة. هي واقعية ما يجب أن يكون، وليس ما يمكن أن يكون' . وهذا أيضاً ما تفتقر إليه ما تسمى بحركات المقاومة أو جبهات الممانعة أو غير ذلك، حيث تتقولب نظرياتها فيما يشبه الواقعية الخاضعة لمتطلبات التبعية والولاء، أو لمتطلبات ثوابت النظريات الأيديولوجية والاجتماعية. فتنطلق بممارسة فعلها من باب تحريم وتجريم أي فعل آخر بمجرد أنه لا يتوافق مع مسلّماتها، وليس أن يعارضها فيها. ونظراً لهذا الشلل أو الجمود التام، وتمر بمراحل سكون قد يكون مطلقاً، أو قد تنعكس ممارساتها وبالاً على الجماهير، حيث تتبنى النظرة الخاطئة للتغيير وتروّج لها، بأنه مجرد قرار بالحرب أو عدم الحرب، بينما تمارس حركة فتح، بحكم كونها حركة ثورية، التغيير في تكريس مفهوم الاستراتيجية الفلسطينية في مواجهة العدو الصهيوني، وحرب الشعب طويلة الأمد في مواجهة الحرب الخاطفة. ويدلّل الدكتور كلوفيس مقصود على أصالة الثورة وصحة نهجها في هذا المجال بقوله: 'إن الثورة الأصيلة عندما تصل إلى مثل هذا الوضع (...) الذي تتضاءل فيه أمامها الخيارات، تتوجه إلى ذاتها من أجل استخراج طاقاتها الجدلية والإبداعية بدلاً من التسليم بأن عليها التقرير في أيٍّ من هذه الخيارات... والثورة في صدد ترجمة مادية للمواقف من حيث تتمكن أن تستفيد من الوقائع والظروف بقدر الإمكان وأن تغير منها باتجاه ما تفرضها التزاماتها المبدئية بقدر الإمكان. هذا هو مكمن التحدي للفكر الجدلي الذي تنطوي عليه كل ثورة أصيلة وكل حركة هادفة نحو إيجاد التغييرات الجذرية'' . فحركة فتح كحركة ثورية أصيلة برهنت عبر عشرات المواقف والأزمات التي اعترضت طريق الثورة وهددت تطلعات الجماهير، أنها قادرة بثوريتها الوطنية على الخروج من هذه المطبات والأزمات أصلب وأقوى من ذي قبل، ولم تحصر نفسها في زاوية الخضوع لخيارات مفروضة، بل عوّدت شعبها على اختلاق خيارات أخرى وطنية تلبي آمال الجماهير وثقتها بالثورة، وتحافظ على استمرار هذه الثورة ومواصلة حرب الشعب طويلة الأمد بمختلف الأساليب.
لقد نبذت حركة فتح القوالب الفكرية الجامدة، وأدركت العلاقة الجدلية بين الفكر والممارسة، وأغنت فكرها على ضوء الممارسة والتجربة. ومارست وتمارس ثوريتها، حتى برهنت عن نفسها كطليعة لكل الجماهير والقوى الثورية في العالم العربي وفي العالم، وجعلت عبر الفكر والممارسة من نظريتها الثورية نهجاً يحتذى في كافة مرافق الحياة، وعالجت قضايا الجماهير السياسية والتنظيمية والاجتماعية والتربوية وغيرها بما يقارب المثالية في التعاطي، ولم تتخلّ يوماً عن الكفاح المسلح ضمن استراتيجية حرب الشعب طويلة الأمد، دون أن تتخذ لنفسها تسمية أو نظرية منغلقة أو محدودة في إطار المقاومة الآنية، أو الأحزاب الأيديولوجية، أو الثورية الشوفينية، وكانت وما زالت ثورة بكل ما للكلمة من معنى، ثورة لتغيير الواقع المرفوض وطنياً وجماهيرياً، وثورة لتحقيق أحلام وتطلعات وآمال الشعب الفلسطيني، وثورة للإنسان الفلسطيني الذي اعتبرته عمادها الأساسي، فأولته كل الاهتمام لشخصه ولفكره ولقدراته، وجعلت منه رسولاً إلى كل العالم يحمل بندقية الثائر وغصن الزيتون والريشة والقلم، يحمل كل إبداعاته التي فجرتها فيه زخماً إضافياً لهذه الثورة، وثورة أذهلت العالم كله وفي مقدمته العدو الأساسي في قدرتها على التكيف مع كل الضغوط التي يمكن أو لا يمكن تخيلها، في سبيل حماية الشعب وأهدافه، وحماية الثورة وضمان استمرارها، لتكون ثورة حتى النصر.
وللختام، كلمة لرمز هذه الثورة العظيمة، الشهيد القائد ياسر عرفات، يصح توجيهها في كل يوم، ولكل ثائر في درب هذه الثورة:
'عليكم يا رفاق الدرب الطويل الشاق، ان تثبتوا كما أثبتم دائماً وأبداً، أن الثوار في الثورة الفلسطينية، مهما اختلفت جنسياتهم وهوياتهم وتواجدهم وأماكنهم، سيظلون عند حسن ظن أمتهم العربية بهم وأنهم سيبذلون النفس والنفيس وكل مرتخص وغالٍ للذود عن حياض الأمة وتاريخها وقيمها وحضارتها أمام الهجمة الصهيونية الإمبريالية' .