gaza72
12-Dec-2007, 11:30 AM
http://i106.photobucket.com/albums/m258/hany_3h/eftetah/3h023.gif
http://www.cedost.it/images/fatah.gif
http://www.newsarchiver.com/2004/11/11/top.arafat2~1100008251520118500.jpg
http://www.wafa.ps/arabic/photo/newsphoto/images/2007/11/12/HM105.jpg
فتح الميلاد والمسيرة
بعد سبعة عشر عاما من الضياع الذي عاشه شعبنا في اعقاب الهزيمة جاء اليوم الاو ل من يناير 1965، ليكون نقطة البداية في اول تحرك جماهيري فلسطيني على الطريق السليم. انطلقت فيه طلائع فلسطينية مسلحة إلى قلب الارض المحتلة وسط عالم مظلم وظروف صعبة وقاسية، لتضع اول تطور واقعي في تاريخ كفاحنا في اعقاب النكبة من اجل التحرير.
ولكي يكون طريقنا واضحا.. كيف نسير فيه.. واين ننتهي.. ولمن يكن ولاؤنا فيه وفيما يأتي بعده ولكي يكون تحديدنا لمسؤوليتنا والتزامنا دقيقا وواضحا.. يلزم ان نعطي لكل شيء اسمه ونحدد ابعاده كما نراها وكما عاشها شعبنا وكل المواطنين من اهلنا الذين شهدوا حركة النضال الفلسطيني في اعقاب النكبة وقد تشكلت تحت الظروف القاسية التي احاطت بها في صورتين يمكن ان تعبر عنها مرحلتين تعاقبتا وكانتا مقدمة (ولا يمكن تجاهلمها وفصل تجاربهما وتاريخهما عنها) لهذه المرحلة الثالثة التي بدأت بهذا اليوم وقد جاءت لتصحح ما كان فيهما من تناقض على احساسات خيرة كثيرة في نفوس اهلنا من غير ان تتراجع فيما انتهت اليه اهداف شعبنا ومكاسبه وآماله على طول هذا الطريق.
وباندفاع خاطف استطاعت قوات الجيش الاسرائيلي ان تصفي معركة 1948 وترسم معالم جديدة على الخريطة الفلسطينية لم تملك سبع دول عربية الا ان تستسلم لها.. وينتهي الامر بعدها بشعبنا تائها يعاني من الضياع في معسكرات للتجميع تتناثر في اطراف العالم العربي فاقدا وعيه وفكره.. ويعيش في ذهول صنعته الحركة السريعة لتطور الاحداث من حوله.
هكذا بدأت المرحلة الاولى في اعقاب النكبة باستسلام وذهول عقدته اكثر سنوات الجوع الثلاث التي عانتها معسكرات التجميع بحيث لم يعد شعبنا قادر على التفكير المنظم المسؤول، وبقي يتابع الاخبار والحوادث التي يصفها له غيره.
وتطور الامر بالحركة السياسية الفلسطينية بعد انهيار المدرسة العشائرية من اجل فرد إلى حركة حزبية نشطة كان اساسها تكتلات عقائدية خاصة ولو ان وعيها السياسي لم يصل إلى مستوى تتحمل فيه مسؤولية تخطيط واف ومكتمل يشكل الكفاح الفلسطيني في سبيل معركة التحرير.. الا انها تفاعلت مع كل الاحداث والتطورات في الارض العربية على طول الوطن العربي وشاركت في كثير منها باندفاع على اعتقاد منها انها جزء من معركتنا في فلسطين إلى درجة جعلت التزامها العربي الواسع يشغلها عن التزامها الفلسطيني المحدد.. حتى اصبح كل تطور او تغيير تصنعه العناصر النشطة في الوطن العربي محطة انتظار تقف عليها تتطلع إلى الامل القادم بعدها.
ولم يكن شعبنا يتردد في ان يضع كل امكانياته كافراد وكمجموع في خدمة التطورات التي غيرت من معالم الحياة في الشرق العربي حتى اننا كحكم مطلق كنا نربط مصيرنا بمصير هذه التغيرات والاحداث وانشغلنا بها نرفع شعاراتها فوق شعاراتنا.. وندفعها ونحميها على انها مراحل ضرورية على طريق التحرير الا ان الحركة الحزبية التي كانت محورا لاستقطاب الجماهير لم تستطع على طول هذا الطريق ان تقدم لنا أي تصور واضح ومقبول لشكل مسيرة التحرير وقد فشلت حتى في الالتزام باي تخطيط قادر على تلبية تطلعات شعبنا إلى الامل الكبير الذي بناه عليها.
وهكذا بدأت تتجمع امامنا على طول الطريق الذي لم يحقق اغراضه علامات استفهام كبيرة وعنيدة... تتساءل إلى اين..؟ واخذت هذه التساؤلات تنمو وتتبلور اكثر إلى ان فاجأتها حرب السويس... وبسقوط غزة في ايدي الاحتلال في اكتوبر 1956 بدأت مرحلة جديدة وجد شعبنا نفسه فيها وجها لوجه امام مسوؤلياته وامام قسوة المواجهة وتحت ضغط الرصاص الموجه إلى صدور هذا الشعب لا يميز بين عقائد الشباب فيه... تبلورت افكاره واكتمل تصوره لنوع المعركة واحتياجاتها. وولدت من خلال وحدة الرصاص المرحلة الجديدة في التفكير الفلسطيني وارتفعت شعاراتها تنادي... بلقاء فلسطيني عريض... في وحدة وطنية قوية.. من اجل ثورة مسلحة تحرر الارض.
ميلاد فتح:
كانت هذه نقطة البداية على الطريق الصحيح بشكل يضع حدا للبعثرة والتردد والاسترخاء على محطات انتظار لا قرار لها.. وهكذا ولدت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح في عام 1958، ترفع شعارات المرحلة وكان عليها ان تواجه كل تساؤلات التشكيك... والاتهام التي ارتفعت في وجهها وتحيط بها من كل الجهات.
وظلت فتح يومها صامدة تصنع المرحلة الجديدة وتجيب على كل تساؤلاتها الحائرة... ماذا... وكيف...؟ وبمن...؟ ومن اين...؟ ومتى..؟ واستطاعت في عناد ان تشق الطريق وتقيم اول تنظيم فلسطيني يتصدى بنفسه ليستعيد زمام المبادرة في القضية الفلسطينية.
اهداف فتح:
تركزت اهداف فتح في اتجاه:
1- تحريك الوجود الفلسطيني... وبعث الشخصية الفلسطينية محليا ودوليا من خلال المقاتل الفلسطيني الصلب العنيد القادر على تحطيم المناعة الاسرائيلية.
2- استقطاب الجماهير الفلسطينية ومن خلفها كل الجماهير العربية في طريق الثورة المسلحة وحشدها فيها لتكون قادرة على:-
أ- تجميد حركة نمو الوجود الاسرائيلي الصهيوني.
ب- تقطيع هذا الوجود.
ج- تصفية الدولة رمز الوجود الصهيوني.
3- اعادة بناء الدولة الفلسطينية على الارض الفلسطينية (حرة وديمقراطية).
مسؤوليات فتح:
وكطليعة لهذه الثورة تتحمل مسؤولية بدء الثورة وحمايتها وتأمين الاستمرار فيها إلى اهداف وسط كافة التناقضات القائمة على الارض العربية وحتى تتمكن من خلق القوة الفلسطينية التي يتوفر لها:-
1- قدرة على الحركة.
2- حرية الحركة.
3- على هذه الارض ستكون احد قواعد الثورة في مراحلها الاولى كانت "فتح" ملزمة ومقيدة بالطرح المسؤول والدقيق والحذر لبعض مواقفها وآرائها التي قد يكون لها ردود خطرة على مسيرة الثورة.
مسيرة فتح:
ومر عامان كانت فيهما شعارات المرحلة الجديدة من خلال فتح لقاء فلسطيني عريض في وحدة وطنية قوية من اجل ثورة مسلحة تحرر الارض وقد بدأت تغوص إلى اعماق الشعب الفلسطيني بدرجة اكبر واقرب إلى التصور، وفي العالم الثالث بعد انتصار ثورة الجزائر وانفصال الوحدة بين مصر وسوريا في سنة 1961 اصبح هناك اجماع فلسطيني على سلامة الخط الذي اختارته "فتح" وتعددت بعدها التنظيمات واخذت تنادي به حتى الذين هاجموها وشككوا فيها بالامس.
وتابعت فتح تنظيمها على طريق الثورة وكانت ترى بنواياها الحسنة ان كل خطوة على هذا الطريق وكل تجمع فلسطيني على هذا التفكير مهما تعددت واختلفت مصادره ونواياه سيكون فيه عودة بالولاء الفلسطيني إلى قواعده الحقيقية تشده إلى اهداف الشعب الفلسطيني في العودة والتحرير بدلا من البعثرة والضياع الذي عاشه شعبنا موزع الولاء في اكثر من اتجاه ووراء اكثر من هدف سيما بعد النكبة حيث كان ينتهي دائما إلى سراب.
الا ان عناصر خارجية قد اخذت تتدخل ولعبت دورا كبيرا في خلق ومضاعفة اعداد التنظميات الفلسطينية بشكل لم يعد يبرره أي غرض خير وأصبح تعدد هذه التنظيمات يبدو وكانه محاولة لتمييع الحركة الوطنية وتفككها وعودة بالولاء الفلسطيني إلى البعثرة بعيدا عن الاهداف الحقيقية لشعبنا وتراجعا إلى المواقع الخارجية التي كانت تشد ارادة الاحزاب العقائدية في بلدنا إلى خارج الحدود.
ازاء هذا الخطر الذي بدأ يزحف على الجبهة الفلسطينية ويغرقها في حوار جدلي عقيم اوشك ان يفرغها من محتواها رأت فتح ان تتولى زمام المبادرة من جديد لتخرج بالحركة الوطنية من طريقها المسدود ولتدفع بالامور في اتجاه الاهداف الفلسطينية قبل ان يقع الانحراف، وعلى هذا الاساس اختارت:
اولا: ان تركز جهدا اكبر في تكثيف قواعدها العسكرية على الارض الحقيقية للثورة حتى تصبح قادرة على بدء عملياتها في وقت اقصر بما قد يضع حدا لنقاشات السفسطة التي بدأت تغرق الجو الفلسطيني.
ثانيا: ان تطرح التجربة محاولة لتجميع الحركات الفلسطينية في تنظيم فلسطيني واحد يعيد تركيز الوحدة الوطنية ويحفظ للشخصية الفلسطينية استقلالها بفكرها وتخطيطها وولائها للاهداف الفلسطينية حتى يظل زمام المبادرة كما تريده بيد الشعب الفلسطيني نفسه.
وهنا.. ومن اجل هذا الغرض ذهبنا إلى مؤتمر القدس ونحن نتطلع إلى ميلاد المنظمة كمحاولة للخروج بالكفاح الفلسطيني من القوقعة التي املتها حياة السراديب... إلى عالم مكشوف يستطيع ان يستقطب قواعد اوسع بامكانيات للعمل اكثر والقت فتح بثقلها مع فكرة منظمة التحرير الفلسطينية لتعطيها دفعا قويا تقف به حتى ان بعض الذين ظلوا يزايدون علينا بها فرضوا عداءهم على فتح يومها بسببها.
ميلاد الثورة:
عندما بدأت منظمة التحرير تتحول عن الهدف الذي جاءت من اجله... واخذت تجر معها ولاء شعبنا بعيدا عن اهدافه إلى اتجاه واضح واكتملت القناعة عند قيادات "فتح" بان اجهزة المنظمة قد عجزت عن ان تطرح تصورا صادقا لالتزاماتها وان تضع قدمها على بداية الطريق لاستقطاب التنظيمات الفلسطينية القائمة وتجميعها ورأت ان زمام المبادرة الذي حافظت عليه قد اوشك ان يضيع من يد الحركة الوطنية الفلسطينية قررت في يناير 1965 ان تتصدى لمسؤوليتها باستعادة زمام الموقف من جديد وان تقفز من مرحلة التنظيم من اجل الثورة إلى مرحلة التنظيم من خلال الثورة رغم كل الظروف القاسية الصعبة التي كانت تعيشها الحركة.
اللقاء فوق ارض المعركة:
ومرة اخرى ارتفعت اصوات كثيرة تشكك وتتهم.. والمقاتلين من رجال العاصفة يقطعون الارض طولا وعرضا في صقيع يناير القاسي.
واخذ ابناء فتح يواجهون المطاردة والملاحقة والاعتقال في كل مكان من الارض العربية، وبعد عامين من المواجهة المنفردة بين فتح واسرائيل.. ورغم شراسة المعركة التي واجهتها على الارض العربية بالتشكيك والاتهام والحصار والحجز والمطادرة بغرض خنق الثورة... استطاعت فتح من خلال قتالها اليومي ان تحطم التساؤلات الحائرة والعاجزة والمشككة... وتقفز عنها... وتثبت ان العمل داخل الارض المحتلة ممكن... وان اسطورة المناعة الاسرائيلية ما هي الا خرافة تتحطم تحت ضربات العزم الفلسطيني واصبح التمرد المسلح الفلسطيني واقعا اكبر من ان يحجز عليه.
بعد مرور عامين على ميلاد الثورة كانا كما يبدو ضروريين لاقناع المترددين والعاجزين من شعبنا وفي الفترة التي بدأت فيها فتح تعد لطرح تصورها وتخطيطها للثورة وتأخذ مسيرتها على طريقها بثقة وصلابة وعزم.. في هذه الفترة بالذات بدأت حملة الاغراق هذه بمحاولة من رئيس اللجنة التنفيذية بالمنظمات الفلسطينية في اعقاب انتصار ثورة الجزائر، وقد بدت حملة الاغراق هذه بمحاولة من رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وقائد جيش التحرير اللذان تجاهلا القوى البشيرية الضخمة لجيش التحرير وقاما بتكوين جماعة فدائية بدت اولى عملياتها في اواخر اكتوبر 1966 باسم (ابطال العودة)... وجماعات اخرى صغيرة تحمل اسماء شهداء فلسطين قامت كما ارادها من اجل ارباك الوضع السياسي في الاردن في اعقاب الهجوم على قرية السموع.
وهنا كان على "فتح" ان تراجع موقفها في طرحها المبكر لبرنامج الثورة ازاء هذا الاغراق المفاجئ وغير الجاد للساحة الفلسطينية بما يربكها لا سيما وان احد الشروط الاولى لانتصار الثورة كما تراها فتح وحدة لاداء الثورة تحقق شمولا جماهيريا... وولاءا موحدا لها، ومن اجل هذا وجدت فتح نفسها ملزمة بان تأخذ زمام المبادرة فتطرح شعارها: اللقاء فوق ارض المعركة كنداء لهذه القوى ترى فيه السبيل الوحيد لفرز القوى الجادة والقادرة على الحركة والعطاء... ومدى استعدادها رغم ما تتعرض له من مضايقات ومطاردات وحجز وحصار يفرضه الواقع السياسي في دول الطوق المحيطة بالارض المحتلة.
وهكذا اثبتت التجربة على طول مرحلتي التنظيم والعمل المسلح ان حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" قد تجاوزت محاولة التشكيك والاتهام... وان فتح كانت في المرحلتين رائدة وصاحبة مبادرة خرجت بالحركة الوطنية الفلسطينية من عالم الضياع في اعقاب النكبة لتضعه في اعقاب عالم متحرك مقاتل رغم ما كان يحيط بها من ظروف قاسية وصعبة.
حتمية الثورة:
نحن نعرف ان البعض كان يرى في الثورة نوعا من المغامرة ولا يستطيع ان يتصور دور هذه الثورة في معركة التحرير... وما هي امكانياتها... وهل هي فعلا قادرة على تصفية هذا الاحتلال.. وكيف...؟
حتمية تاريخية:
نقطة البداية كما نراها نحن... ان موضوع الثورة يشكل منطلقا لا خيار لنا فيه فهي طريق يفرضها منطق الحوادث والتاريخ... والذي يسير جيوش الاحتلال والغزو في الماضي ويسير خلفها انتفاضات الثوار المتكررة يؤكد انه لا بد ان يكون في بلدنا ثورة... تأتي لتصحح هذا الوضع الشاذ مهما تأخرت عن موعدها.
هذا امر طبيعي يفرض نفسه كحقيقة تاريخية مصيرية لا تقبل حتى ان تناقش.. ولا تبرر لنا ان نستسلم مزيدا من الوقت بعد هذه الفترة من الاستسلام... بقدر ما تملي علينا ان نتحمل مسؤولياتنا بين الشعوب التي تتطلع إلى حياة افضل... وكما كانت ثورات الاحرار في آسيا وافريقيا... ستكون ثورتنا قوية ثابتة تفرض وجودها علينا وعلى العالم معنا كما هو التطور الطبيعي للتاريخ... ولا نملك بعد هنا الا ان نستجيب لارادة الاله التي يعبر عنها هذا التاريخ.
حتمية استراتيجية:
حتى يمكن ان نتصور العدو الحقيقي للثورة في معركة التحرير وتصفية الاحتلال يلزم ان نتصور الحقائق الاساسية للمعركة كما استطاعت ان تصنعها اسرائيل على مدى العشرين عاما الماضية من خلال تحركين: سياسي وعسكري.
التحرك السياسي:
على المستوى العالمي استطاع ان يحرك القضية الفلسطينية امام الرأي العام ويقدمها من خلال مجموعة من القضايا الفرعية جدا كقضية لاجئين وقضية حدود وقضية مياه وروافد بين دولة مستضعفة صغيرة وثلاث عشر دولة مسعورة تنكر عليها حقها في الوجود والحياة... بين مليوني مشرد من عذاب النازي يبحثون عن ملجأ للحياة في هدوء واستقرار... ومئة مليون عربي متمرد وغير قانع بخيرات وثروات الارض الواسعة التي يملكونها ويعيشون عليها... ويريدون ان يقذفوا بها في البحر كما قذف بهم النازي في افران الغاز ومعسكرات الفناء.
التحرك العسكري
1- من خلال ثلاث محاور:
1) تركيز بشري من خلال هجرة جماعية غربية تزحف من وراء البحار.
2) استراتيجية هجومية قادرة على نقل المعركة بما يتوفر لها من طيران وطرق مواصلات وآليات إلى الارض العربية خارج حدود الارض المحتلة، وهذا التجميع البشري الغريب.
3) سباق مجنون من التسلح تفرضه على المنطقة... يستنزف قدرات وثروات وكل امكانيات العالم العربي بغرض خلق جو من الاستسلام والذعر يجعل المنطقة العربية تعيش في مجال الاستراتيجية الاسرائيلية وتحت تأثيرها بما يكرس اسطورة الوجود الاسرائيلي او استحالة زحزحته.
وفي هذا المجال تتطلع اسرائيل للزمن كعامل رئيسي تتمكن به في جو من الهدوء والاسترخاء والسيطرة على جانبي القتال من تحقيق اهدافها الاستراتيجية ويقوم التخطيط الاسرائيلي في هذا على اساس:-
1- تعمير النقب وحشده بثلاث ملايين مهاجر جديد... بشكل يقطع الاتصال بين الجبهة الغربية في الجنوب والجبهة الاردنية في الشرق.
2- توزيع السكان في المنطقة المحتلة وتخفيف الضغط السكاني في المناطق الشمالية والوسطى.
3- توزيع المراكز الصناعية والمواقع العسكرية على ارض اوسع بشكل لا يجعلها هدفا سهلا للضربات العربية.
وهكذا ستحقق اسرائيل بهذا التوزيع الجديد في اعقاب تعمير النقب مناعة قوية امام غزو عربي محتمل... وسيفقد هذا الجبهة الاردنية المناعة الاستراتيجية التي كانت توفرها صحراء النقب قبل التعمير.
بهذا الفهم لابعاد الاستراتيجية الاسرائيلية واثر العامل الزمني فيها.. كان لا بد ان نتحرك لمنع العدو من تحقيق اهدافه قبل ان تصبح واقعا جديدا ومن اجل ان نعيد الامور إلى حجمها الحقيقي ونسترد للقضية وجهها العادل ونوقف الزحف البشري الغريب على ارضنا... ونخرج بالمنطقة العربية من تحت الاستراتيجية الاسرائيلية.. ونعطيها فرصة لالتقاط انفاسها وسط سباق التسلح المجنون ونجرد العدو من المزايا التي يوفرها العامل الزمني.. ونقلب ميزان المعادلة في الاتجاه المضاد.
والقوة الوحيدة المؤهلة لهذا هي ثورة مسلحة تكون قادرة على ان تتصدى للاستراتيجية الهجومية الاسرائيلية وتنقل المعركة من خلال استراتيجية مضادة إلى قلب الارض المحتلة في قتال مواجهة مع الغزو الاسرائيلي يجد نفسه فيه وحيدا منفردا من غير حماية يواجه المقاتل العربي في بيته وعلى ارضه في الطريق... وفي المقهى... وفي السينما... وفي معسكرات الجيش... وفي كل مكان بعيدا عن سيطرة الطيران والآليات الاسرائيلية التي كانت توفر له الحماية وتؤمن سلامته وحياته.. بشكل يفرض عليها التفكير المقارن بين حياة الاستقرار والهدوء التي كان يعيشها في بلده الاول... وحياة الفزع والذعر التي وجدها تنتظره على الارض الفلسطينية بما يدفعه في طريق الهجرة العكسية وتكون الاستراتيجية الاسرائيلية بهذا فقدت الغرض الاصلي من وجودها لتأمين سلامة الفرد الاسرائيلي... وتعود بغير هدف وغير نتيجة... ولا مبرر.
وهكذا تطرح الثورة نفسها كضرورة حتمية يفرضها منطق التاريخ. واستراتيجية المعركة ستستكمل ابعادها وتحقق اهدافها على طول مراحل ثلاث:
1- مرحلة تجميد النمو في الوجود الاسرائيلي على الارض المحتلة.
2- مرحلة تحطيم هذا الوجود.
3- مرحلة تصفية وتطهير الارض المحتلة من كل آثاره.
شخصية الثورة:
وحتى تكون هذه الثورة المسلحة قادرة على ان تفرض نفسها على خارطة قوى الثورة العالمية من اجل العدل والحرية والسلام.. كان يجب ان نؤكد على فلسطينية الثورة في ارضها وقيادتها وتخطيطها، وبهذه الشخصية الفلسطينية لها نستطيع ان نسترد للقضية في المجال الدولي وجهها العادل كصراع من اجل الحرية والعدالة... وحجمها الحقيقي بين مليون فلسطيني مشرد كانوا يملكون الارض.. ويعيشون عليها وهم اليوم بلا وطن بلا ارض ولا مأوى ولا مستقبل ولا امل، وبين اثني عشر مليون صهيوني يملكون المال والسلطة والنفوذ في امريكا واوروبا ينظمون بها زحفا بشريا مهووسا وحاقدا متعطشا للدم يتوافد على الارض المقدسة يزاحم اهلها فيها ويقوم بالمذابح وينشر الفزع والرعب والارهاب.
ومن اجل هؤلاء المظلومين الذين فقدوا الارض والامل... تفرض الثورة الفلسطينية المسلحة نفسها بلا خيار لتطرح على العالم شخصية المقاتل الفلسطيني الذي يعود بعد عشرين سنة من الظلم والقسوة والضياع ليقاتل من اجل حقه في الحياة على ارضه كما يحياها الآخرون على ارضهم.. بعد ان عجز العالم بكل مؤسساته الدولية ان يحافظ على هذا الحق... او ان يرفع عنه هذا الظلم وهذه القسوة... لتطرح على الدنيا شخصية المقاتل الفلسطيني العنيد الصلب الذي لا يساوم ولا يستسلم من قبل ان يعيد إلى ارض السلام (فلسطين) كل مثاليات العدل والمساواة... ومن اجل هذا تصر الحركة على ان تحتفظ الثورة بشخصية الشعب الفلسطيني بارزة إلى ان تنتهي من معركة التحرير.
هذا التركيز على الشخصية الفلسطينية للثورة لا يمكن ان ينفي عنها شخصيتها العربية، فنحن نؤمن ان معركة التحرير في فلسطين هي قضية عربية مصيرية يقوم فيها الفلسطينيون بدور الطليعة، الا ان هذا التركيز في نظر الحركة ضروريا لاسباب رئيسية:
1- كاستراتيجية يمكن بها التصدي لمحاولات التضليل والخداع التي يضعها التحرك الاسرائيلي في المجال الدولي لينفي عن هذه الحركة وجهها العادل.
2- كوسيلة لتحديد المسؤولية وتحديد الاختصاص في تنظيم يؤمن بالثورة ويتفاعل معها يبدأها ويحميها ويتابع الاستمرار فيها... تنظيم له من الارتباط بالارض وبالمصير ما يعطيه وضعا خاصا.
ولا يعني هذا التحديد بالاختصاص والمسؤولية في الثورة أي نوع من الانفراد بها او أي اعفاء للجماهير والقيادات العربية من مسؤوليتها نحو هذه المعركة ولكنه تحديد للمسؤولية الدولية والجماهيرية في قيادة الثورة وتوجيهها او الاستمرار بها إلى اهدافها تفرضه طبيعة الوضع السياسي في الوطن العربي ومنطق الحوادث الذي لا يتيح لنا ان نطالب الامة العربية بواجباتها من قبل ان نلقي نحن بامكانياتنا وقدراتنا وحشدنا لا يتيح لنا ان نطالب المواطن العربي بان يعيش الثورة في ارضنا وشبابنا يعيش حياة الترف والاسترخاء واللامسؤولية يجمع الثروة في ارضهم وفي ترك المسؤولية تمييع للقضية وضياع لها بين اطراف تلتقي مرة وتتناقض عشرات بما يجعلها موضوعا لمزايدة ذات وزن قادرة على احداث شعارات يحتمي البعض وراءها لتغطية العجز على الارض الفلسطينية.
3- فلسطينية الثورة هي مدخل قادر على تجميع واستقطاب الجماهير الفلسطينية التي تتناثر في اطراف الدنيا بلا رابط يجمعها او يشدها إلى الارض والقضية والمستقبل، وهي الوسيلة الوحيدة لتنقية الوسط الفلسطيني من جو السفسطة والتعقيد من خلال التعدد في الولاء والاتكالية التي صنعتها السنوات الطويلة من الضياع.
http://www.wafa.ps/arabic/photo/newsphoto/images/2007/11/12/HM105.jpg
http://www.cedost.it/images/fatah.gif
http://www.newsarchiver.com/2004/11/11/top.arafat2~1100008251520118500.jpg
http://www.wafa.ps/arabic/photo/newsphoto/images/2007/11/12/HM105.jpg
فتح الميلاد والمسيرة
بعد سبعة عشر عاما من الضياع الذي عاشه شعبنا في اعقاب الهزيمة جاء اليوم الاو ل من يناير 1965، ليكون نقطة البداية في اول تحرك جماهيري فلسطيني على الطريق السليم. انطلقت فيه طلائع فلسطينية مسلحة إلى قلب الارض المحتلة وسط عالم مظلم وظروف صعبة وقاسية، لتضع اول تطور واقعي في تاريخ كفاحنا في اعقاب النكبة من اجل التحرير.
ولكي يكون طريقنا واضحا.. كيف نسير فيه.. واين ننتهي.. ولمن يكن ولاؤنا فيه وفيما يأتي بعده ولكي يكون تحديدنا لمسؤوليتنا والتزامنا دقيقا وواضحا.. يلزم ان نعطي لكل شيء اسمه ونحدد ابعاده كما نراها وكما عاشها شعبنا وكل المواطنين من اهلنا الذين شهدوا حركة النضال الفلسطيني في اعقاب النكبة وقد تشكلت تحت الظروف القاسية التي احاطت بها في صورتين يمكن ان تعبر عنها مرحلتين تعاقبتا وكانتا مقدمة (ولا يمكن تجاهلمها وفصل تجاربهما وتاريخهما عنها) لهذه المرحلة الثالثة التي بدأت بهذا اليوم وقد جاءت لتصحح ما كان فيهما من تناقض على احساسات خيرة كثيرة في نفوس اهلنا من غير ان تتراجع فيما انتهت اليه اهداف شعبنا ومكاسبه وآماله على طول هذا الطريق.
وباندفاع خاطف استطاعت قوات الجيش الاسرائيلي ان تصفي معركة 1948 وترسم معالم جديدة على الخريطة الفلسطينية لم تملك سبع دول عربية الا ان تستسلم لها.. وينتهي الامر بعدها بشعبنا تائها يعاني من الضياع في معسكرات للتجميع تتناثر في اطراف العالم العربي فاقدا وعيه وفكره.. ويعيش في ذهول صنعته الحركة السريعة لتطور الاحداث من حوله.
هكذا بدأت المرحلة الاولى في اعقاب النكبة باستسلام وذهول عقدته اكثر سنوات الجوع الثلاث التي عانتها معسكرات التجميع بحيث لم يعد شعبنا قادر على التفكير المنظم المسؤول، وبقي يتابع الاخبار والحوادث التي يصفها له غيره.
وتطور الامر بالحركة السياسية الفلسطينية بعد انهيار المدرسة العشائرية من اجل فرد إلى حركة حزبية نشطة كان اساسها تكتلات عقائدية خاصة ولو ان وعيها السياسي لم يصل إلى مستوى تتحمل فيه مسؤولية تخطيط واف ومكتمل يشكل الكفاح الفلسطيني في سبيل معركة التحرير.. الا انها تفاعلت مع كل الاحداث والتطورات في الارض العربية على طول الوطن العربي وشاركت في كثير منها باندفاع على اعتقاد منها انها جزء من معركتنا في فلسطين إلى درجة جعلت التزامها العربي الواسع يشغلها عن التزامها الفلسطيني المحدد.. حتى اصبح كل تطور او تغيير تصنعه العناصر النشطة في الوطن العربي محطة انتظار تقف عليها تتطلع إلى الامل القادم بعدها.
ولم يكن شعبنا يتردد في ان يضع كل امكانياته كافراد وكمجموع في خدمة التطورات التي غيرت من معالم الحياة في الشرق العربي حتى اننا كحكم مطلق كنا نربط مصيرنا بمصير هذه التغيرات والاحداث وانشغلنا بها نرفع شعاراتها فوق شعاراتنا.. وندفعها ونحميها على انها مراحل ضرورية على طريق التحرير الا ان الحركة الحزبية التي كانت محورا لاستقطاب الجماهير لم تستطع على طول هذا الطريق ان تقدم لنا أي تصور واضح ومقبول لشكل مسيرة التحرير وقد فشلت حتى في الالتزام باي تخطيط قادر على تلبية تطلعات شعبنا إلى الامل الكبير الذي بناه عليها.
وهكذا بدأت تتجمع امامنا على طول الطريق الذي لم يحقق اغراضه علامات استفهام كبيرة وعنيدة... تتساءل إلى اين..؟ واخذت هذه التساؤلات تنمو وتتبلور اكثر إلى ان فاجأتها حرب السويس... وبسقوط غزة في ايدي الاحتلال في اكتوبر 1956 بدأت مرحلة جديدة وجد شعبنا نفسه فيها وجها لوجه امام مسوؤلياته وامام قسوة المواجهة وتحت ضغط الرصاص الموجه إلى صدور هذا الشعب لا يميز بين عقائد الشباب فيه... تبلورت افكاره واكتمل تصوره لنوع المعركة واحتياجاتها. وولدت من خلال وحدة الرصاص المرحلة الجديدة في التفكير الفلسطيني وارتفعت شعاراتها تنادي... بلقاء فلسطيني عريض... في وحدة وطنية قوية.. من اجل ثورة مسلحة تحرر الارض.
ميلاد فتح:
كانت هذه نقطة البداية على الطريق الصحيح بشكل يضع حدا للبعثرة والتردد والاسترخاء على محطات انتظار لا قرار لها.. وهكذا ولدت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح في عام 1958، ترفع شعارات المرحلة وكان عليها ان تواجه كل تساؤلات التشكيك... والاتهام التي ارتفعت في وجهها وتحيط بها من كل الجهات.
وظلت فتح يومها صامدة تصنع المرحلة الجديدة وتجيب على كل تساؤلاتها الحائرة... ماذا... وكيف...؟ وبمن...؟ ومن اين...؟ ومتى..؟ واستطاعت في عناد ان تشق الطريق وتقيم اول تنظيم فلسطيني يتصدى بنفسه ليستعيد زمام المبادرة في القضية الفلسطينية.
اهداف فتح:
تركزت اهداف فتح في اتجاه:
1- تحريك الوجود الفلسطيني... وبعث الشخصية الفلسطينية محليا ودوليا من خلال المقاتل الفلسطيني الصلب العنيد القادر على تحطيم المناعة الاسرائيلية.
2- استقطاب الجماهير الفلسطينية ومن خلفها كل الجماهير العربية في طريق الثورة المسلحة وحشدها فيها لتكون قادرة على:-
أ- تجميد حركة نمو الوجود الاسرائيلي الصهيوني.
ب- تقطيع هذا الوجود.
ج- تصفية الدولة رمز الوجود الصهيوني.
3- اعادة بناء الدولة الفلسطينية على الارض الفلسطينية (حرة وديمقراطية).
مسؤوليات فتح:
وكطليعة لهذه الثورة تتحمل مسؤولية بدء الثورة وحمايتها وتأمين الاستمرار فيها إلى اهداف وسط كافة التناقضات القائمة على الارض العربية وحتى تتمكن من خلق القوة الفلسطينية التي يتوفر لها:-
1- قدرة على الحركة.
2- حرية الحركة.
3- على هذه الارض ستكون احد قواعد الثورة في مراحلها الاولى كانت "فتح" ملزمة ومقيدة بالطرح المسؤول والدقيق والحذر لبعض مواقفها وآرائها التي قد يكون لها ردود خطرة على مسيرة الثورة.
مسيرة فتح:
ومر عامان كانت فيهما شعارات المرحلة الجديدة من خلال فتح لقاء فلسطيني عريض في وحدة وطنية قوية من اجل ثورة مسلحة تحرر الارض وقد بدأت تغوص إلى اعماق الشعب الفلسطيني بدرجة اكبر واقرب إلى التصور، وفي العالم الثالث بعد انتصار ثورة الجزائر وانفصال الوحدة بين مصر وسوريا في سنة 1961 اصبح هناك اجماع فلسطيني على سلامة الخط الذي اختارته "فتح" وتعددت بعدها التنظيمات واخذت تنادي به حتى الذين هاجموها وشككوا فيها بالامس.
وتابعت فتح تنظيمها على طريق الثورة وكانت ترى بنواياها الحسنة ان كل خطوة على هذا الطريق وكل تجمع فلسطيني على هذا التفكير مهما تعددت واختلفت مصادره ونواياه سيكون فيه عودة بالولاء الفلسطيني إلى قواعده الحقيقية تشده إلى اهداف الشعب الفلسطيني في العودة والتحرير بدلا من البعثرة والضياع الذي عاشه شعبنا موزع الولاء في اكثر من اتجاه ووراء اكثر من هدف سيما بعد النكبة حيث كان ينتهي دائما إلى سراب.
الا ان عناصر خارجية قد اخذت تتدخل ولعبت دورا كبيرا في خلق ومضاعفة اعداد التنظميات الفلسطينية بشكل لم يعد يبرره أي غرض خير وأصبح تعدد هذه التنظيمات يبدو وكانه محاولة لتمييع الحركة الوطنية وتفككها وعودة بالولاء الفلسطيني إلى البعثرة بعيدا عن الاهداف الحقيقية لشعبنا وتراجعا إلى المواقع الخارجية التي كانت تشد ارادة الاحزاب العقائدية في بلدنا إلى خارج الحدود.
ازاء هذا الخطر الذي بدأ يزحف على الجبهة الفلسطينية ويغرقها في حوار جدلي عقيم اوشك ان يفرغها من محتواها رأت فتح ان تتولى زمام المبادرة من جديد لتخرج بالحركة الوطنية من طريقها المسدود ولتدفع بالامور في اتجاه الاهداف الفلسطينية قبل ان يقع الانحراف، وعلى هذا الاساس اختارت:
اولا: ان تركز جهدا اكبر في تكثيف قواعدها العسكرية على الارض الحقيقية للثورة حتى تصبح قادرة على بدء عملياتها في وقت اقصر بما قد يضع حدا لنقاشات السفسطة التي بدأت تغرق الجو الفلسطيني.
ثانيا: ان تطرح التجربة محاولة لتجميع الحركات الفلسطينية في تنظيم فلسطيني واحد يعيد تركيز الوحدة الوطنية ويحفظ للشخصية الفلسطينية استقلالها بفكرها وتخطيطها وولائها للاهداف الفلسطينية حتى يظل زمام المبادرة كما تريده بيد الشعب الفلسطيني نفسه.
وهنا.. ومن اجل هذا الغرض ذهبنا إلى مؤتمر القدس ونحن نتطلع إلى ميلاد المنظمة كمحاولة للخروج بالكفاح الفلسطيني من القوقعة التي املتها حياة السراديب... إلى عالم مكشوف يستطيع ان يستقطب قواعد اوسع بامكانيات للعمل اكثر والقت فتح بثقلها مع فكرة منظمة التحرير الفلسطينية لتعطيها دفعا قويا تقف به حتى ان بعض الذين ظلوا يزايدون علينا بها فرضوا عداءهم على فتح يومها بسببها.
ميلاد الثورة:
عندما بدأت منظمة التحرير تتحول عن الهدف الذي جاءت من اجله... واخذت تجر معها ولاء شعبنا بعيدا عن اهدافه إلى اتجاه واضح واكتملت القناعة عند قيادات "فتح" بان اجهزة المنظمة قد عجزت عن ان تطرح تصورا صادقا لالتزاماتها وان تضع قدمها على بداية الطريق لاستقطاب التنظيمات الفلسطينية القائمة وتجميعها ورأت ان زمام المبادرة الذي حافظت عليه قد اوشك ان يضيع من يد الحركة الوطنية الفلسطينية قررت في يناير 1965 ان تتصدى لمسؤوليتها باستعادة زمام الموقف من جديد وان تقفز من مرحلة التنظيم من اجل الثورة إلى مرحلة التنظيم من خلال الثورة رغم كل الظروف القاسية الصعبة التي كانت تعيشها الحركة.
اللقاء فوق ارض المعركة:
ومرة اخرى ارتفعت اصوات كثيرة تشكك وتتهم.. والمقاتلين من رجال العاصفة يقطعون الارض طولا وعرضا في صقيع يناير القاسي.
واخذ ابناء فتح يواجهون المطاردة والملاحقة والاعتقال في كل مكان من الارض العربية، وبعد عامين من المواجهة المنفردة بين فتح واسرائيل.. ورغم شراسة المعركة التي واجهتها على الارض العربية بالتشكيك والاتهام والحصار والحجز والمطادرة بغرض خنق الثورة... استطاعت فتح من خلال قتالها اليومي ان تحطم التساؤلات الحائرة والعاجزة والمشككة... وتقفز عنها... وتثبت ان العمل داخل الارض المحتلة ممكن... وان اسطورة المناعة الاسرائيلية ما هي الا خرافة تتحطم تحت ضربات العزم الفلسطيني واصبح التمرد المسلح الفلسطيني واقعا اكبر من ان يحجز عليه.
بعد مرور عامين على ميلاد الثورة كانا كما يبدو ضروريين لاقناع المترددين والعاجزين من شعبنا وفي الفترة التي بدأت فيها فتح تعد لطرح تصورها وتخطيطها للثورة وتأخذ مسيرتها على طريقها بثقة وصلابة وعزم.. في هذه الفترة بالذات بدأت حملة الاغراق هذه بمحاولة من رئيس اللجنة التنفيذية بالمنظمات الفلسطينية في اعقاب انتصار ثورة الجزائر، وقد بدت حملة الاغراق هذه بمحاولة من رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وقائد جيش التحرير اللذان تجاهلا القوى البشيرية الضخمة لجيش التحرير وقاما بتكوين جماعة فدائية بدت اولى عملياتها في اواخر اكتوبر 1966 باسم (ابطال العودة)... وجماعات اخرى صغيرة تحمل اسماء شهداء فلسطين قامت كما ارادها من اجل ارباك الوضع السياسي في الاردن في اعقاب الهجوم على قرية السموع.
وهنا كان على "فتح" ان تراجع موقفها في طرحها المبكر لبرنامج الثورة ازاء هذا الاغراق المفاجئ وغير الجاد للساحة الفلسطينية بما يربكها لا سيما وان احد الشروط الاولى لانتصار الثورة كما تراها فتح وحدة لاداء الثورة تحقق شمولا جماهيريا... وولاءا موحدا لها، ومن اجل هذا وجدت فتح نفسها ملزمة بان تأخذ زمام المبادرة فتطرح شعارها: اللقاء فوق ارض المعركة كنداء لهذه القوى ترى فيه السبيل الوحيد لفرز القوى الجادة والقادرة على الحركة والعطاء... ومدى استعدادها رغم ما تتعرض له من مضايقات ومطاردات وحجز وحصار يفرضه الواقع السياسي في دول الطوق المحيطة بالارض المحتلة.
وهكذا اثبتت التجربة على طول مرحلتي التنظيم والعمل المسلح ان حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" قد تجاوزت محاولة التشكيك والاتهام... وان فتح كانت في المرحلتين رائدة وصاحبة مبادرة خرجت بالحركة الوطنية الفلسطينية من عالم الضياع في اعقاب النكبة لتضعه في اعقاب عالم متحرك مقاتل رغم ما كان يحيط بها من ظروف قاسية وصعبة.
حتمية الثورة:
نحن نعرف ان البعض كان يرى في الثورة نوعا من المغامرة ولا يستطيع ان يتصور دور هذه الثورة في معركة التحرير... وما هي امكانياتها... وهل هي فعلا قادرة على تصفية هذا الاحتلال.. وكيف...؟
حتمية تاريخية:
نقطة البداية كما نراها نحن... ان موضوع الثورة يشكل منطلقا لا خيار لنا فيه فهي طريق يفرضها منطق الحوادث والتاريخ... والذي يسير جيوش الاحتلال والغزو في الماضي ويسير خلفها انتفاضات الثوار المتكررة يؤكد انه لا بد ان يكون في بلدنا ثورة... تأتي لتصحح هذا الوضع الشاذ مهما تأخرت عن موعدها.
هذا امر طبيعي يفرض نفسه كحقيقة تاريخية مصيرية لا تقبل حتى ان تناقش.. ولا تبرر لنا ان نستسلم مزيدا من الوقت بعد هذه الفترة من الاستسلام... بقدر ما تملي علينا ان نتحمل مسؤولياتنا بين الشعوب التي تتطلع إلى حياة افضل... وكما كانت ثورات الاحرار في آسيا وافريقيا... ستكون ثورتنا قوية ثابتة تفرض وجودها علينا وعلى العالم معنا كما هو التطور الطبيعي للتاريخ... ولا نملك بعد هنا الا ان نستجيب لارادة الاله التي يعبر عنها هذا التاريخ.
حتمية استراتيجية:
حتى يمكن ان نتصور العدو الحقيقي للثورة في معركة التحرير وتصفية الاحتلال يلزم ان نتصور الحقائق الاساسية للمعركة كما استطاعت ان تصنعها اسرائيل على مدى العشرين عاما الماضية من خلال تحركين: سياسي وعسكري.
التحرك السياسي:
على المستوى العالمي استطاع ان يحرك القضية الفلسطينية امام الرأي العام ويقدمها من خلال مجموعة من القضايا الفرعية جدا كقضية لاجئين وقضية حدود وقضية مياه وروافد بين دولة مستضعفة صغيرة وثلاث عشر دولة مسعورة تنكر عليها حقها في الوجود والحياة... بين مليوني مشرد من عذاب النازي يبحثون عن ملجأ للحياة في هدوء واستقرار... ومئة مليون عربي متمرد وغير قانع بخيرات وثروات الارض الواسعة التي يملكونها ويعيشون عليها... ويريدون ان يقذفوا بها في البحر كما قذف بهم النازي في افران الغاز ومعسكرات الفناء.
التحرك العسكري
1- من خلال ثلاث محاور:
1) تركيز بشري من خلال هجرة جماعية غربية تزحف من وراء البحار.
2) استراتيجية هجومية قادرة على نقل المعركة بما يتوفر لها من طيران وطرق مواصلات وآليات إلى الارض العربية خارج حدود الارض المحتلة، وهذا التجميع البشري الغريب.
3) سباق مجنون من التسلح تفرضه على المنطقة... يستنزف قدرات وثروات وكل امكانيات العالم العربي بغرض خلق جو من الاستسلام والذعر يجعل المنطقة العربية تعيش في مجال الاستراتيجية الاسرائيلية وتحت تأثيرها بما يكرس اسطورة الوجود الاسرائيلي او استحالة زحزحته.
وفي هذا المجال تتطلع اسرائيل للزمن كعامل رئيسي تتمكن به في جو من الهدوء والاسترخاء والسيطرة على جانبي القتال من تحقيق اهدافها الاستراتيجية ويقوم التخطيط الاسرائيلي في هذا على اساس:-
1- تعمير النقب وحشده بثلاث ملايين مهاجر جديد... بشكل يقطع الاتصال بين الجبهة الغربية في الجنوب والجبهة الاردنية في الشرق.
2- توزيع السكان في المنطقة المحتلة وتخفيف الضغط السكاني في المناطق الشمالية والوسطى.
3- توزيع المراكز الصناعية والمواقع العسكرية على ارض اوسع بشكل لا يجعلها هدفا سهلا للضربات العربية.
وهكذا ستحقق اسرائيل بهذا التوزيع الجديد في اعقاب تعمير النقب مناعة قوية امام غزو عربي محتمل... وسيفقد هذا الجبهة الاردنية المناعة الاستراتيجية التي كانت توفرها صحراء النقب قبل التعمير.
بهذا الفهم لابعاد الاستراتيجية الاسرائيلية واثر العامل الزمني فيها.. كان لا بد ان نتحرك لمنع العدو من تحقيق اهدافه قبل ان تصبح واقعا جديدا ومن اجل ان نعيد الامور إلى حجمها الحقيقي ونسترد للقضية وجهها العادل ونوقف الزحف البشري الغريب على ارضنا... ونخرج بالمنطقة العربية من تحت الاستراتيجية الاسرائيلية.. ونعطيها فرصة لالتقاط انفاسها وسط سباق التسلح المجنون ونجرد العدو من المزايا التي يوفرها العامل الزمني.. ونقلب ميزان المعادلة في الاتجاه المضاد.
والقوة الوحيدة المؤهلة لهذا هي ثورة مسلحة تكون قادرة على ان تتصدى للاستراتيجية الهجومية الاسرائيلية وتنقل المعركة من خلال استراتيجية مضادة إلى قلب الارض المحتلة في قتال مواجهة مع الغزو الاسرائيلي يجد نفسه فيه وحيدا منفردا من غير حماية يواجه المقاتل العربي في بيته وعلى ارضه في الطريق... وفي المقهى... وفي السينما... وفي معسكرات الجيش... وفي كل مكان بعيدا عن سيطرة الطيران والآليات الاسرائيلية التي كانت توفر له الحماية وتؤمن سلامته وحياته.. بشكل يفرض عليها التفكير المقارن بين حياة الاستقرار والهدوء التي كان يعيشها في بلده الاول... وحياة الفزع والذعر التي وجدها تنتظره على الارض الفلسطينية بما يدفعه في طريق الهجرة العكسية وتكون الاستراتيجية الاسرائيلية بهذا فقدت الغرض الاصلي من وجودها لتأمين سلامة الفرد الاسرائيلي... وتعود بغير هدف وغير نتيجة... ولا مبرر.
وهكذا تطرح الثورة نفسها كضرورة حتمية يفرضها منطق التاريخ. واستراتيجية المعركة ستستكمل ابعادها وتحقق اهدافها على طول مراحل ثلاث:
1- مرحلة تجميد النمو في الوجود الاسرائيلي على الارض المحتلة.
2- مرحلة تحطيم هذا الوجود.
3- مرحلة تصفية وتطهير الارض المحتلة من كل آثاره.
شخصية الثورة:
وحتى تكون هذه الثورة المسلحة قادرة على ان تفرض نفسها على خارطة قوى الثورة العالمية من اجل العدل والحرية والسلام.. كان يجب ان نؤكد على فلسطينية الثورة في ارضها وقيادتها وتخطيطها، وبهذه الشخصية الفلسطينية لها نستطيع ان نسترد للقضية في المجال الدولي وجهها العادل كصراع من اجل الحرية والعدالة... وحجمها الحقيقي بين مليون فلسطيني مشرد كانوا يملكون الارض.. ويعيشون عليها وهم اليوم بلا وطن بلا ارض ولا مأوى ولا مستقبل ولا امل، وبين اثني عشر مليون صهيوني يملكون المال والسلطة والنفوذ في امريكا واوروبا ينظمون بها زحفا بشريا مهووسا وحاقدا متعطشا للدم يتوافد على الارض المقدسة يزاحم اهلها فيها ويقوم بالمذابح وينشر الفزع والرعب والارهاب.
ومن اجل هؤلاء المظلومين الذين فقدوا الارض والامل... تفرض الثورة الفلسطينية المسلحة نفسها بلا خيار لتطرح على العالم شخصية المقاتل الفلسطيني الذي يعود بعد عشرين سنة من الظلم والقسوة والضياع ليقاتل من اجل حقه في الحياة على ارضه كما يحياها الآخرون على ارضهم.. بعد ان عجز العالم بكل مؤسساته الدولية ان يحافظ على هذا الحق... او ان يرفع عنه هذا الظلم وهذه القسوة... لتطرح على الدنيا شخصية المقاتل الفلسطيني العنيد الصلب الذي لا يساوم ولا يستسلم من قبل ان يعيد إلى ارض السلام (فلسطين) كل مثاليات العدل والمساواة... ومن اجل هذا تصر الحركة على ان تحتفظ الثورة بشخصية الشعب الفلسطيني بارزة إلى ان تنتهي من معركة التحرير.
هذا التركيز على الشخصية الفلسطينية للثورة لا يمكن ان ينفي عنها شخصيتها العربية، فنحن نؤمن ان معركة التحرير في فلسطين هي قضية عربية مصيرية يقوم فيها الفلسطينيون بدور الطليعة، الا ان هذا التركيز في نظر الحركة ضروريا لاسباب رئيسية:
1- كاستراتيجية يمكن بها التصدي لمحاولات التضليل والخداع التي يضعها التحرك الاسرائيلي في المجال الدولي لينفي عن هذه الحركة وجهها العادل.
2- كوسيلة لتحديد المسؤولية وتحديد الاختصاص في تنظيم يؤمن بالثورة ويتفاعل معها يبدأها ويحميها ويتابع الاستمرار فيها... تنظيم له من الارتباط بالارض وبالمصير ما يعطيه وضعا خاصا.
ولا يعني هذا التحديد بالاختصاص والمسؤولية في الثورة أي نوع من الانفراد بها او أي اعفاء للجماهير والقيادات العربية من مسؤوليتها نحو هذه المعركة ولكنه تحديد للمسؤولية الدولية والجماهيرية في قيادة الثورة وتوجيهها او الاستمرار بها إلى اهدافها تفرضه طبيعة الوضع السياسي في الوطن العربي ومنطق الحوادث الذي لا يتيح لنا ان نطالب الامة العربية بواجباتها من قبل ان نلقي نحن بامكانياتنا وقدراتنا وحشدنا لا يتيح لنا ان نطالب المواطن العربي بان يعيش الثورة في ارضنا وشبابنا يعيش حياة الترف والاسترخاء واللامسؤولية يجمع الثروة في ارضهم وفي ترك المسؤولية تمييع للقضية وضياع لها بين اطراف تلتقي مرة وتتناقض عشرات بما يجعلها موضوعا لمزايدة ذات وزن قادرة على احداث شعارات يحتمي البعض وراءها لتغطية العجز على الارض الفلسطينية.
3- فلسطينية الثورة هي مدخل قادر على تجميع واستقطاب الجماهير الفلسطينية التي تتناثر في اطراف الدنيا بلا رابط يجمعها او يشدها إلى الارض والقضية والمستقبل، وهي الوسيلة الوحيدة لتنقية الوسط الفلسطيني من جو السفسطة والتعقيد من خلال التعدد في الولاء والاتكالية التي صنعتها السنوات الطويلة من الضياع.
http://www.wafa.ps/arabic/photo/newsphoto/images/2007/11/12/HM105.jpg