Al3asefa
17-Aug-2007, 04:19 PM
غادا السمان لوكالة معا : لا يخجلني ان اعتذر لدرويش ولكن من يعتذر عما فعل ؟ وهل تحوّل الفلسطيني إلى عدو نفسه، عدو أخيه ؟
http://www.upload.ps/uploads160807/54f2dffda2.jpg
التاريخ : 17 / 08 / 2007 الساعة : 13:40
بيروت - خاص وكالة معا - في حوار جميل مع الشاعرة غادا السمان كانت وكالة معا فخورة بمحاورتها ولكنها وبكل فن وروعة ردت تقول ( الفخر لي كما ان انجاز هذا اللقاء لوكالة تصفّحتها ولفتني ثراؤها وجديتها وجدواها لهذا اخترت أن نكون حقّا معا، ونواصل فعلا معا، ونؤمن بضرورة أن نكون معا ) .
س : كتابك اسرائيليات بأقلام عربية اثار الكثير من ردود الفعل - من أية زاوية يجب ان نقرأ هذا الكتاب ؟
غادا : تعددت الزوايا وتناقضت الأطراف وتداخلت التقديرات في ذلك كلّه لهذا وبعد خمسة أعوام من الحصيد المتراكم وبعد كلّ المطبّات التي تعرّضت لها والأحكام التعسفية الجائرة التي صدرت عن خفافيش المرحلة وصقور المنابر بحثا عن طريقة لإرضاء الكبير مقاما وقواف وغلالا وأرصدة وأوسمة على مدار الشعر وأضوائه وأزلامه وزبانيته وبعدما صار الممنوع حقّا مشروعا والآخر حقيقة قائمة لها من يدافع عنها بشراسة وبعدما خيّبتني رجالات المرحلة ونساؤها وغلمانها الموجودين في كافة مفارق خياراتنا لقطع جماح طموحاتنا والتنكيل برؤانا والقضاء على قناعاتنا المستتبّة ربما أجنح مع الجانحين يوما ، وأنا أجدني وحدي أطبق على جمرة اليقين، حتى بلغت ما لا يُطاق، وأنا أُحارَب بضراوة في كياني وحرفي وحرفتي ولقمة عيشي وكافة مصادرها. من أيّ زاوية ينبغي أن تقرأ إسرائيليات بأقلام عربية؟!!! ربما من زاوية من "سيعتذر عمّا فعل".
س : تلك المطبات التي تعرضت لها اثرت على مسيرة غادا ام كانت دافعا باتجاه مزيد من الابداع ؟
غادا: الإبداع في راهننا العربي عموما كلمة كبيرة بمنتهى المبالغة ، ويخجلني جدا أن أتحدّث عن معوّقات مسيرتي الخاصة ومطباتها في غمرة ما ينتاب عالمنا العربي وما يتربّص به، ولطالما كنت أتحدّث وأشير وأعرب عن مخاوفي وهواجسي حتى اتّهمت بأنني مريضة هلوسات بها من الدرجة الأولى، عندما أنجزت إسرائيليات بأقلام عربية كان الجنوب اللبناني قيد التحرير، ولم يكن العراق قد دخل مرحلة الاغتصاب بعد، ولم تكن فلسطين بلغت هذا التشرذم والانشقاق والوهم. كنتُ أستشعر الخطر كما أشار عني الناقد الكبير "حنّا عبود " عندما أطلق عليّ لقبا لي في مقالة نقدية شاسعة عَنونها بالخطّ العريض "غادة الجبل الأسود "، وفي حمّى اشتغالي على الإصدار كنت أراني "جان دارك " العصر، لكن يبدو أنّ الحماسة لا تنتاب شعوبنا ومثقفوها بغير النعر والتحفيز والمصالح، شعوب فقدت لهفتها وانفعالات، بعدما برمجتها الأنظمة على أكمل تقدير.
ولا شكّ أنّ كلّ ما كان أعطاني مزيدا من القناعة أنّ الجهد الذي تكبّدته لإصداري ذاك لم يذهب هباء، رغم كل التجاهل والتجهيل الذي تعمّدته وسائل الإعلام والإعدام الثقافيّة بحقي.
حيث أنّ الحرب التي شنّت لأجلي وإيقافي التعسفي عن الكتابة في معظم المنابر
دليل ساطع على أهمية ما أقدمت عليه، وأنّ كلمة الحق ترهب من بوسعه أن يكون الأشد هيبة وترهيبا، كائنا من كان.
س: لنعتبر جدلا بان كتاب اسرائيليات باقلام عربية لم يصدر هل ستتعرض غادة لتلك المطبات والاحكام التعسفية كما سميت من خافيش المرحله ؟
غادا: بالـتأكيد لا، والدليل على ذلك أنني كنت الأكثر حضورا في جلّ المنابر العربية عموما واللبنانية خصوصا، كان لي أسبوعياتي وآرائي وتنظيراتي التي تُنشر جميعا دون قيد أو شرط، وكانت مقالاتي تقدّر على أحسن تقدير مادي ومعنوي، بل كان يُحتفى بها أيّما احتفاء.
بعد الإصدار أغلقت كل منافذ الحبر فجأة، هل هي الصدفة؟، أن تتوحد جميع المنابر على قرار واحد؟ علما بأنّني أُواجَهُ علنا بما اقترفته يميني والمواجهة تتلخّص على الشكل التالي: "أصدرتِ كتابك، وأعلنتِ موفقك، دعِ الأشاوس تفيدك، ويبدو أنّ الأشاوس قد دخلت مرحلة المزايدات السياسية لأبقى وحدي في ميدان بلا منطق، وبلا رادع، وبلا ضمير.
س: اذا الفئة التي عملت ضدك واضحة المعالم والحدود فما سرّ قوتها بمحاصرتك والعمل على ايقافك عن الكتابة في معظم المنابر كما اشرت ؟
غادا : يبدو أن صندوق الدعم اليهودي للكاتب العربي، ليس هناك ما يوازيه لدى الفئات العربية الداعية للصمود سوى شعاراتها المهترئة، وأسسها البالية، لهذا نرى المثقفين كيف يتهاوى واحدهم تلو الآخر في أحضان الثقافة البديلة ثقافة الشللية، والدولار، والتطبيع ودائرة الضوء المغلقة على الأفراد وبعض المستزلمين لديهم، العاملين على إرضائهم، جملة وتفصيلا، تزميرا وتطبيلا.
س : هل يساورك الندم على اصدار اسرائيليات باقلام عربية ؟
أعلنت عن ندمي في قناة الحرّة، وكانت الحصيلة مزيدا من الرجم برؤوس الأقلام المدببة، أندم لأمر واحد فقط، عندما أرى أن الفلسطيني الذي آمنت به وبقضيته وبوجوده، يمكن أن يتحوّل إلى عدو نفسه، عدو أخيه، عدو قضيّته، عدو وطنه
وبجملة هذه العداوت التي تنهال علينا بتفصيلات سياسة المهازل ، وفي غمرة وضوح درويش وخياراته المُعلنه التي أحترم فيها تلكَ العلنية ، وتلكَ المصالحة مع الذات، تسقط عني صفة الكشف أو الإكتشاف، فدرويش نفسه أعلن قبوله للآخر، وأعلن تصالحه مع الآخر، وأعلن ارتمائه وانتمائه لأحضان الآخر،ونلاحظ بريق نجمه الذي يتصاعد ويكرّس على امتداد الخارطة الترويجية، للنجومية أيضا بعلنية، ومباركة تسليمية من عمّال الثقافة الحالية، وهم يدءبون على تمهيد الطريق الذي شقّه درويش بصبر وجلادة حتى أصبح عرّاب المرحلة بامتياز .
س : هل ندمت ؟
غادا : ندمت لا أعلم، أعلم أنني خارج كل الإعتبارات، وأعلم أنّ المنطق خارج زمننا الراهن.
كان من الواجب أن أنتظر تصدير كتابي لوقت يتوفّر فيه المنطق والمثقّف الحقيقي وأصحاب القضايا الكبيرة الجديرة باكتراثنا جميعا.
س : من قصدت غادة بخفافيش المرحلة وصقور المنابر ؟
غادا :صقور المنابر هم هؤلاء المتمترسين في سدّة القرار في الهياكل السريّة للثقافة العربية، والخفافيش هم جملة من الأتباع والأشباه والمريدين والمستزلمين.
لو أنّ التوضيح يضمن خجلهم لأوضحتُهم اسما اسما. ولكن ماذا تفعل المواجهة في اللا حياء واللا حياة لمن تُنادي؟.
تلك الخارطة لاجل الترويج وصولا للنجومية من يرسمها لدرويش ؟ وما انتج درويش للحظة الا يؤهله ليكون نجما ؟درويش نجم حقيقي، ونجم ساطع، ونجم مختلف ومغاير، لكنّ تكريس النجومية الإبداعية في زمن الجهل، والإسفاف، والرخص، والخلاعة، خدعة للجميع وخدعة لدرويش نفسه لجمهور العريض كان أكثر صدقا، يوم كان درويش معادلا ثوريا للقضية وقضيّة موازية لوطن سليب تستعيده القصيدة درويش اليوم، على إبداعه ، وأناقة حضورة، وجمال نصّه ونفسه، َقَدَ ميزة الحشد العفوي الحضور الهائل، أمور تترتّب سلفا ، تشتغل عليها كوادر، حزبية، وشخصانيات ثقافية بكل ما لها من مصالح، وكل ما عليها من التزامات وكل ما لديها من محسوبيات واعتبارات وترتيبات أبعد وأكبر مما نتصوّر بكثير، أجزم أنّ درويش هو المفاوض السرّي الأول لبعض الأنظمة التي تدّعي عفتها عن قبول التطبيع والتفاوض مع إسرائيل، كيف تفسّر إذن أن يُستقبل مثلا شاعر كدرويش على أكتاف نائب رئيس لجمهورية الصمود وعاصمة التصدّي والتي لا تكترث أصلا حتى بمبدعيها؟، يوم كان نائبها المعني نائبا يرزق ويسترزق ويستبدّ، قبل أن يتحوّل إلى المهجر كمُعارض خصم؟
س : كيف كانت علاقتك بدرويش قبل صدور اسرائيليات باقلام عربية ؟
غادا : أذكر في سنتي الجامعية الأولى في جامعة دمشق ، سمعت عن أمسية لدرويش لفتني وقتها كيف يتهامس الرفاق فيما بينهم لتجميع أكبر حشد ممكن لبيت الدعوة في حينه لم أعد أذكر الوجهة أين كانت بالتحديد وعندما شعرت أنني مجرد رقم زائد في غمرة نشوة الرفاق وما لديهم من "تحشيد" كبير، انسحبت على الفور. لأترك مكاني لسؤال كبير تفتقده مصداقية تظاهراتنا الثقافية، لو أنّ درويش اليوم جاء متأبّطا قصائده وإبداعه الحميم بمعزل عن انتمائه الأممي الغابر وبمعزل عن المواكبات الإعلاميّة الراهنة الجبّارة وبمعزل عن قضيّة اسمها فلسطين جرح الخاصرة الذي لم يلتئم، هل كان من المتوفّر أن نشهد لدرويش جمهورا بذات الكثافة؟
س : ولكن في حينه كان درويش في ذلك الزمن وبناء على رأيك معادلا ثوريا للقضية والجمهور بعواطفه يحشد ولا اظن بانه حشد عفوي ؟ فلا مبرر لانسحابك ؟
غادا : معادلا ثوريا لثورة صامتة، وثورة مؤجّلة، وثورة أشبه بفورة، لا تسفر عن غير عاصفة عابرة من التصفيق الحار، انسحبت في حينه ربما لكوني مجرد رقم زائد،أو ربما عاجزة من جملة العاجزين في عالم لا يملك سوى هزائمه وخيباته وانكساراته.
فمثلا الكاتب حسن عجمي قد تناول درويش في معرض بحثه الفلسفي المتواصل منذ أول إصدار له والذي فتح سلسلة من الإصدارات الجادة في البحث والحقيقة لراهننا العربي حيث فقال في كتابه الاخير السوبر تخلف أن بعض الجمل الشعرية عند محمود درويش خالية من المعنى، وأضاف أن بعضا من شعر محمود يقع في خانة الشعر الغرائبي مثل عندما يقول: البرتقالة فكرة تضيء في الليل" و" التين انفرج الشفتين" و " المانجو لعاب يسيل على لذة مرئيّة".
س : علاقتك المستقبلية بدرويش وهل من محبين لرأب الصدع بينكما؟
غادا : المسألة بيني وبين شاعر كمحمود درويش ليست مسألة شخصية وإن حجموها إلى النمط المذكور، إعجابي بمحمود درويش هو الذي قادني للبحث والتدقيق، وربما الشاعر الحر يأبى المجهر بكل أشكاله، ومجهري جريء لا أنكر ذلك، وتستهويني المجازفة أحيانا، ومجازفتي مع محمود درويش بدأت من باب المغامرة ليقيني أن للحقيقة والزنزانة باب واحد دخلته بقليل من الشكّ وخرجتُ بمزيد من القناعة، قناعتي أنّ درويش ظاهرة، ستظل مكانها بكتابي أو بدونه، وقناعتي أني متلقية صعبة أرضى ذلك الشاعر أم لم يرضيه، وأن تتفاءل بالمحبين ليرأبوا الصدع فهذا مطلب أكبر من مستحيل فالجميع أصبح لهوفا على رضى الشاعر أكثر من الشاعر نفسه، فهي مناسبة خصبة للغاية علّمت الجميع كيف يصطاد في الماء ويعكّر كلّ ما فيه .
فرصة جاءت لتضيف إلى كلّ ذي وجه متلّون، وجها أبيضا مستعارا ومستعرضا بامتياز
لهذا أجزم أن لا سواه محمود درويش الشاعر الشاعر، وحده القادر على رأب الصدع،
وكفّ أيادي التملّق عن زرع الغلّ في طريقي، يقيني أنّ درويش ذاته وفي قرارة نفسه يعلم جيدا أنّ ما ورد في إصداري إسرائيليات بأقلام عربية لم يكن من باب الإساءة، ولو لم يكن درويش بهذه القامة الشعرية الباهظة لما تكبّدت لأجله كامل
أرصدتي لهذا أشكر سؤالك الذي أيقظني إلى ما أتمنى، كأن يجمعني الحرف بدرويش على متن صفحة من البياض الخالص كالذي سكبته من حبر الروح على مسرح مسيرته الطويلة اللافتة الجديرة ويكفي إصداري ذاك أن يكون له فضيلة المزايدات التي دخلها كل أزلام وأشباه وأتباع الثقافة العربية إكراما لعيني درويش الرائعتين دون أدنى شك.
http://www.upload.ps/uploads160807/54f2dffda2.jpg
التاريخ : 17 / 08 / 2007 الساعة : 13:40
بيروت - خاص وكالة معا - في حوار جميل مع الشاعرة غادا السمان كانت وكالة معا فخورة بمحاورتها ولكنها وبكل فن وروعة ردت تقول ( الفخر لي كما ان انجاز هذا اللقاء لوكالة تصفّحتها ولفتني ثراؤها وجديتها وجدواها لهذا اخترت أن نكون حقّا معا، ونواصل فعلا معا، ونؤمن بضرورة أن نكون معا ) .
س : كتابك اسرائيليات بأقلام عربية اثار الكثير من ردود الفعل - من أية زاوية يجب ان نقرأ هذا الكتاب ؟
غادا : تعددت الزوايا وتناقضت الأطراف وتداخلت التقديرات في ذلك كلّه لهذا وبعد خمسة أعوام من الحصيد المتراكم وبعد كلّ المطبّات التي تعرّضت لها والأحكام التعسفية الجائرة التي صدرت عن خفافيش المرحلة وصقور المنابر بحثا عن طريقة لإرضاء الكبير مقاما وقواف وغلالا وأرصدة وأوسمة على مدار الشعر وأضوائه وأزلامه وزبانيته وبعدما صار الممنوع حقّا مشروعا والآخر حقيقة قائمة لها من يدافع عنها بشراسة وبعدما خيّبتني رجالات المرحلة ونساؤها وغلمانها الموجودين في كافة مفارق خياراتنا لقطع جماح طموحاتنا والتنكيل برؤانا والقضاء على قناعاتنا المستتبّة ربما أجنح مع الجانحين يوما ، وأنا أجدني وحدي أطبق على جمرة اليقين، حتى بلغت ما لا يُطاق، وأنا أُحارَب بضراوة في كياني وحرفي وحرفتي ولقمة عيشي وكافة مصادرها. من أيّ زاوية ينبغي أن تقرأ إسرائيليات بأقلام عربية؟!!! ربما من زاوية من "سيعتذر عمّا فعل".
س : تلك المطبات التي تعرضت لها اثرت على مسيرة غادا ام كانت دافعا باتجاه مزيد من الابداع ؟
غادا: الإبداع في راهننا العربي عموما كلمة كبيرة بمنتهى المبالغة ، ويخجلني جدا أن أتحدّث عن معوّقات مسيرتي الخاصة ومطباتها في غمرة ما ينتاب عالمنا العربي وما يتربّص به، ولطالما كنت أتحدّث وأشير وأعرب عن مخاوفي وهواجسي حتى اتّهمت بأنني مريضة هلوسات بها من الدرجة الأولى، عندما أنجزت إسرائيليات بأقلام عربية كان الجنوب اللبناني قيد التحرير، ولم يكن العراق قد دخل مرحلة الاغتصاب بعد، ولم تكن فلسطين بلغت هذا التشرذم والانشقاق والوهم. كنتُ أستشعر الخطر كما أشار عني الناقد الكبير "حنّا عبود " عندما أطلق عليّ لقبا لي في مقالة نقدية شاسعة عَنونها بالخطّ العريض "غادة الجبل الأسود "، وفي حمّى اشتغالي على الإصدار كنت أراني "جان دارك " العصر، لكن يبدو أنّ الحماسة لا تنتاب شعوبنا ومثقفوها بغير النعر والتحفيز والمصالح، شعوب فقدت لهفتها وانفعالات، بعدما برمجتها الأنظمة على أكمل تقدير.
ولا شكّ أنّ كلّ ما كان أعطاني مزيدا من القناعة أنّ الجهد الذي تكبّدته لإصداري ذاك لم يذهب هباء، رغم كل التجاهل والتجهيل الذي تعمّدته وسائل الإعلام والإعدام الثقافيّة بحقي.
حيث أنّ الحرب التي شنّت لأجلي وإيقافي التعسفي عن الكتابة في معظم المنابر
دليل ساطع على أهمية ما أقدمت عليه، وأنّ كلمة الحق ترهب من بوسعه أن يكون الأشد هيبة وترهيبا، كائنا من كان.
س: لنعتبر جدلا بان كتاب اسرائيليات باقلام عربية لم يصدر هل ستتعرض غادة لتلك المطبات والاحكام التعسفية كما سميت من خافيش المرحله ؟
غادا: بالـتأكيد لا، والدليل على ذلك أنني كنت الأكثر حضورا في جلّ المنابر العربية عموما واللبنانية خصوصا، كان لي أسبوعياتي وآرائي وتنظيراتي التي تُنشر جميعا دون قيد أو شرط، وكانت مقالاتي تقدّر على أحسن تقدير مادي ومعنوي، بل كان يُحتفى بها أيّما احتفاء.
بعد الإصدار أغلقت كل منافذ الحبر فجأة، هل هي الصدفة؟، أن تتوحد جميع المنابر على قرار واحد؟ علما بأنّني أُواجَهُ علنا بما اقترفته يميني والمواجهة تتلخّص على الشكل التالي: "أصدرتِ كتابك، وأعلنتِ موفقك، دعِ الأشاوس تفيدك، ويبدو أنّ الأشاوس قد دخلت مرحلة المزايدات السياسية لأبقى وحدي في ميدان بلا منطق، وبلا رادع، وبلا ضمير.
س: اذا الفئة التي عملت ضدك واضحة المعالم والحدود فما سرّ قوتها بمحاصرتك والعمل على ايقافك عن الكتابة في معظم المنابر كما اشرت ؟
غادا : يبدو أن صندوق الدعم اليهودي للكاتب العربي، ليس هناك ما يوازيه لدى الفئات العربية الداعية للصمود سوى شعاراتها المهترئة، وأسسها البالية، لهذا نرى المثقفين كيف يتهاوى واحدهم تلو الآخر في أحضان الثقافة البديلة ثقافة الشللية، والدولار، والتطبيع ودائرة الضوء المغلقة على الأفراد وبعض المستزلمين لديهم، العاملين على إرضائهم، جملة وتفصيلا، تزميرا وتطبيلا.
س : هل يساورك الندم على اصدار اسرائيليات باقلام عربية ؟
أعلنت عن ندمي في قناة الحرّة، وكانت الحصيلة مزيدا من الرجم برؤوس الأقلام المدببة، أندم لأمر واحد فقط، عندما أرى أن الفلسطيني الذي آمنت به وبقضيته وبوجوده، يمكن أن يتحوّل إلى عدو نفسه، عدو أخيه، عدو قضيّته، عدو وطنه
وبجملة هذه العداوت التي تنهال علينا بتفصيلات سياسة المهازل ، وفي غمرة وضوح درويش وخياراته المُعلنه التي أحترم فيها تلكَ العلنية ، وتلكَ المصالحة مع الذات، تسقط عني صفة الكشف أو الإكتشاف، فدرويش نفسه أعلن قبوله للآخر، وأعلن تصالحه مع الآخر، وأعلن ارتمائه وانتمائه لأحضان الآخر،ونلاحظ بريق نجمه الذي يتصاعد ويكرّس على امتداد الخارطة الترويجية، للنجومية أيضا بعلنية، ومباركة تسليمية من عمّال الثقافة الحالية، وهم يدءبون على تمهيد الطريق الذي شقّه درويش بصبر وجلادة حتى أصبح عرّاب المرحلة بامتياز .
س : هل ندمت ؟
غادا : ندمت لا أعلم، أعلم أنني خارج كل الإعتبارات، وأعلم أنّ المنطق خارج زمننا الراهن.
كان من الواجب أن أنتظر تصدير كتابي لوقت يتوفّر فيه المنطق والمثقّف الحقيقي وأصحاب القضايا الكبيرة الجديرة باكتراثنا جميعا.
س : من قصدت غادة بخفافيش المرحلة وصقور المنابر ؟
غادا :صقور المنابر هم هؤلاء المتمترسين في سدّة القرار في الهياكل السريّة للثقافة العربية، والخفافيش هم جملة من الأتباع والأشباه والمريدين والمستزلمين.
لو أنّ التوضيح يضمن خجلهم لأوضحتُهم اسما اسما. ولكن ماذا تفعل المواجهة في اللا حياء واللا حياة لمن تُنادي؟.
تلك الخارطة لاجل الترويج وصولا للنجومية من يرسمها لدرويش ؟ وما انتج درويش للحظة الا يؤهله ليكون نجما ؟درويش نجم حقيقي، ونجم ساطع، ونجم مختلف ومغاير، لكنّ تكريس النجومية الإبداعية في زمن الجهل، والإسفاف، والرخص، والخلاعة، خدعة للجميع وخدعة لدرويش نفسه لجمهور العريض كان أكثر صدقا، يوم كان درويش معادلا ثوريا للقضية وقضيّة موازية لوطن سليب تستعيده القصيدة درويش اليوم، على إبداعه ، وأناقة حضورة، وجمال نصّه ونفسه، َقَدَ ميزة الحشد العفوي الحضور الهائل، أمور تترتّب سلفا ، تشتغل عليها كوادر، حزبية، وشخصانيات ثقافية بكل ما لها من مصالح، وكل ما عليها من التزامات وكل ما لديها من محسوبيات واعتبارات وترتيبات أبعد وأكبر مما نتصوّر بكثير، أجزم أنّ درويش هو المفاوض السرّي الأول لبعض الأنظمة التي تدّعي عفتها عن قبول التطبيع والتفاوض مع إسرائيل، كيف تفسّر إذن أن يُستقبل مثلا شاعر كدرويش على أكتاف نائب رئيس لجمهورية الصمود وعاصمة التصدّي والتي لا تكترث أصلا حتى بمبدعيها؟، يوم كان نائبها المعني نائبا يرزق ويسترزق ويستبدّ، قبل أن يتحوّل إلى المهجر كمُعارض خصم؟
س : كيف كانت علاقتك بدرويش قبل صدور اسرائيليات باقلام عربية ؟
غادا : أذكر في سنتي الجامعية الأولى في جامعة دمشق ، سمعت عن أمسية لدرويش لفتني وقتها كيف يتهامس الرفاق فيما بينهم لتجميع أكبر حشد ممكن لبيت الدعوة في حينه لم أعد أذكر الوجهة أين كانت بالتحديد وعندما شعرت أنني مجرد رقم زائد في غمرة نشوة الرفاق وما لديهم من "تحشيد" كبير، انسحبت على الفور. لأترك مكاني لسؤال كبير تفتقده مصداقية تظاهراتنا الثقافية، لو أنّ درويش اليوم جاء متأبّطا قصائده وإبداعه الحميم بمعزل عن انتمائه الأممي الغابر وبمعزل عن المواكبات الإعلاميّة الراهنة الجبّارة وبمعزل عن قضيّة اسمها فلسطين جرح الخاصرة الذي لم يلتئم، هل كان من المتوفّر أن نشهد لدرويش جمهورا بذات الكثافة؟
س : ولكن في حينه كان درويش في ذلك الزمن وبناء على رأيك معادلا ثوريا للقضية والجمهور بعواطفه يحشد ولا اظن بانه حشد عفوي ؟ فلا مبرر لانسحابك ؟
غادا : معادلا ثوريا لثورة صامتة، وثورة مؤجّلة، وثورة أشبه بفورة، لا تسفر عن غير عاصفة عابرة من التصفيق الحار، انسحبت في حينه ربما لكوني مجرد رقم زائد،أو ربما عاجزة من جملة العاجزين في عالم لا يملك سوى هزائمه وخيباته وانكساراته.
فمثلا الكاتب حسن عجمي قد تناول درويش في معرض بحثه الفلسفي المتواصل منذ أول إصدار له والذي فتح سلسلة من الإصدارات الجادة في البحث والحقيقة لراهننا العربي حيث فقال في كتابه الاخير السوبر تخلف أن بعض الجمل الشعرية عند محمود درويش خالية من المعنى، وأضاف أن بعضا من شعر محمود يقع في خانة الشعر الغرائبي مثل عندما يقول: البرتقالة فكرة تضيء في الليل" و" التين انفرج الشفتين" و " المانجو لعاب يسيل على لذة مرئيّة".
س : علاقتك المستقبلية بدرويش وهل من محبين لرأب الصدع بينكما؟
غادا : المسألة بيني وبين شاعر كمحمود درويش ليست مسألة شخصية وإن حجموها إلى النمط المذكور، إعجابي بمحمود درويش هو الذي قادني للبحث والتدقيق، وربما الشاعر الحر يأبى المجهر بكل أشكاله، ومجهري جريء لا أنكر ذلك، وتستهويني المجازفة أحيانا، ومجازفتي مع محمود درويش بدأت من باب المغامرة ليقيني أن للحقيقة والزنزانة باب واحد دخلته بقليل من الشكّ وخرجتُ بمزيد من القناعة، قناعتي أنّ درويش ظاهرة، ستظل مكانها بكتابي أو بدونه، وقناعتي أني متلقية صعبة أرضى ذلك الشاعر أم لم يرضيه، وأن تتفاءل بالمحبين ليرأبوا الصدع فهذا مطلب أكبر من مستحيل فالجميع أصبح لهوفا على رضى الشاعر أكثر من الشاعر نفسه، فهي مناسبة خصبة للغاية علّمت الجميع كيف يصطاد في الماء ويعكّر كلّ ما فيه .
فرصة جاءت لتضيف إلى كلّ ذي وجه متلّون، وجها أبيضا مستعارا ومستعرضا بامتياز
لهذا أجزم أن لا سواه محمود درويش الشاعر الشاعر، وحده القادر على رأب الصدع،
وكفّ أيادي التملّق عن زرع الغلّ في طريقي، يقيني أنّ درويش ذاته وفي قرارة نفسه يعلم جيدا أنّ ما ورد في إصداري إسرائيليات بأقلام عربية لم يكن من باب الإساءة، ولو لم يكن درويش بهذه القامة الشعرية الباهظة لما تكبّدت لأجله كامل
أرصدتي لهذا أشكر سؤالك الذي أيقظني إلى ما أتمنى، كأن يجمعني الحرف بدرويش على متن صفحة من البياض الخالص كالذي سكبته من حبر الروح على مسرح مسيرته الطويلة اللافتة الجديرة ويكفي إصداري ذاك أن يكون له فضيلة المزايدات التي دخلها كل أزلام وأشباه وأتباع الثقافة العربية إكراما لعيني درويش الرائعتين دون أدنى شك.