الصابر
03-Nov-2007, 01:59 AM
نصّ خطاب الرّئيس الشهيد ياسر عرفات في الجمعية العمومية للأمم المتحدة
في 13/11/1974
سيدي الرئيس
أشكر لكم دعوتكم منظمة التحرير الفلسطينية لتشارك في هذه الدورة من دورات الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة. وأشكر كل الأعضاء المحترمين في هيئة المم المتحدة الذين أسهموا في تقرير إدراج قضية فلسطين على جدول أعمال هذه الجمعية وفي إصدار قرار بدعوتنا لعرض قضية فلسطين.
إنها لمناسبةٌ هامةٌ أن يعود بحث قضية فلسطين إلى هيئة المم المتحدة. وإننا نعتبر هذه الخطوة انتصاراً للمنظمة الدولية كما هو انتصارٌ لقضية شعبنا. وإن ذلك يشكل مؤشراً جديداً على أن هيئة الأمم المتحدة اليوم ليست هيئة الأمم بالأمس، ذلك لأن عالم اليوم ليس هو عالم الأمس.
فقد أصبحت هيئة المم اليوم تمثل 138 دولةً وأصبحت تعكس بصورةٍ نسبيةٍ أوضح إرادة المجموعة الدولية، ومن ثم فقد أصبحت أكثر قدرةً على تطبيق ميثاقها ومبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأكثر قدرةً على نصرة قضايا العدل والسلام.
وهذا ما بدأ يلمسه وتلمسه شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، الأمر الذي أخذ يعلي مكانة هذه المنظمة الدولية في عيون شعبنا وعيون بقية الشعوب، ويزيد من الآمال التي تعلقها شعوب العالم على مساهمة هيئة الأمم المتحدة في نصرة قضايا السلم والعدل والحرية والاستقلال، وتشييد عالمٍ خالٍ من الإستعمار والإمبريالية والإستعمار الجديد والعنصرية بأشكالها كافةً بما فيها الصهيونية.
سيدي الرئيس
إننا نعيش في عالمٍ يطمح للسلام والعدل والمساواة والحرية، يطمح إلى أن يرى المم المظلومة الرازحة تحت الاستعمار والاضطهاد العنصري وهي تمارس حريتها وحقها في تقرير المصير، يطمح إلى أن يرى العلاقات الدولية بين الدول كافةً تقوم على أساس المساواة والتعايش السلمي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتأمين السيادة الوطنية والاستقلال ووحدة الأراضي الإقليمية لكل دولة وإقامة علاقات إقتصادية على أساس العدل والتكافؤ والمنافع المتبادلة، يطمح لأن تصب الجهود الإنسانية على مكافحة الفقر والمجاعة والأمراض والكوارث الطبيعية، وعلى تطوير القدرات الإنتاجية والعلمية والتقنية للبشر لزيادة الثروات وتضييق الفروق بين الدول النامية والدول المتطورة، ولكن ذلك كله يصطدم بواقعٍ عالميٍّ ما زال يسوده الإضطراب والظلم والاضطهاد والإستغلال. وما زال مهدداً بالكوارث الإقتصادية والحروب والأزمات.
ما زالت شعوب كثيرة منها زيمبابوي وناميبيا وجنوب إفريقيا وفلسطين وغيرها ضحية للعدوان والقهر والبطش. وتشهد تلك المناطق من العالم صراعاً مسلحاً فرضته قوى الإستعمار والتمييز العنصري ظلماً وإرهاباً. فاضطرت الشعوب المضطهدة إلى التصدي له، وكان تصديها عادلاً ومشروعاً.
لا بد يا حضرة الرئيس من أن تسهم المجموعة الدولية في دعم هذه الشعوب ومساعدتها على انتصار قضاياها العادلة ونيلها حقها في تقرير المصير.
وما زالت شعوب الهند الصينية تتعرض للعدوان وتواجه المؤامرات لمنعها من إحلال السلام على أرضها وتحقيق أهدافها. فإذا كانت شعوب العالم قد رحبت بالإتفاق في لاوس وباتفاقية السلام في جنوبي فيتنام ما زال بعيداً عن أن يكون سلاماً حقيقياً لأن القوى التي شنت العدوان تصر على بقاء فيتنام في الاضطراب والحرب. وكذلك ما زال الشعب الكمبودي يواجه عدواناً عسكرياً. لا بد حضرة الرئيس أن تسهم المجموعة الدولية في دعم هذه الشعوب وشجب المعتدين ومعكري السلام. وما زالت القضية الكورية بعيدةً على ان تحل حلاً عادلاً وسلمياً، رغم الموقف الإيجابي السلمي الذي عبرت عنه المقترحات المقدمة من جمهورية كوريا الديمقراطية.
ولقد عشنا قبل شهور تفجر المشكلة القبرصية. وشاركنا في تحمل همومها مع شعوب العالم أجمع ولا بد لهيئة المم المتحدة أن تتابع جهودها للتوصل إلى حلٍّ عادلٍ للمشكل يجنب الشعب القبرصي أهوال الحرب وحفظ استقلاله. ولا شك في أن المشكلة القبرصية تدخل في هذا الإطار من هموم بلدان الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط.
وما زالت دول آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية تواجه اعتداءاتٍ ضاريةً على نضالها من أجل تغيير النظام الإقتصادي العالمي الحالي بنظامٍ اقتصاديٍّ عالميٍّ جديدٍ أكثر معقولية ومنطقية، وقد عبرت هذه البلدان عن ذلك في مؤتمر المواد الأولية والتنمية حيث لا بد من أن يوضع حد لعمليات النهب والاستغلال وامتصاص ثروات الشعوب الفقيرة وعرقلة جهودها من أجل التنمية والسيطرة على ثرواتها ورفع الحيف عن أسعار موادها الأولية.
وكذلك فإن هذه الدول ما زالت تواجه عراقيل أمام مطالبها العادلة المعبر عنها في مؤتمر البحار في كراكاس، ومؤتمر السكان، ومؤتمر التغذية، ولا بد للهيئة الدولية من أن تقف بحزم إلى جانب النضال من أجل إحداث تغييرات جذرية في النظام الاقتصادي العالمي لأن ذلك وحده يتيح للشعوب المتخلفة إمكانية التقدم بسرعة. ولا بد لهذه الهيئة من أن تقف بحزم ضد القوى التي تحاول تحميل مسؤولية التضخم المالي على كاهل البلدان النامية، بخاصة البلدان المنتجة للبترول، وأن تشجب التهديدات التي تتعرض لها هذه البلدان بسبب مطالبها العادلة.
سيدي الرئيس
ما زال السباق على التسلح على أشده في العالم، الأمر الذي يهدد العالم بضياع ثرواته وتبديد جهوده على هذا السباق، فضلاً عن إبقائه في خطر انفجاراتٍ مسلحةٍ خطيرة. إن الحد من السباق على التسلح، وصولاً إلى تدمير الأسلحة النووية وتخصيص ما يصرف من مبالغ طائلة على مجالات التقنيات العسكرية في ميدان تقدم العلوم وزيادة الإنتاج وتحقيق الرفاه للعالم. هذا ما تتوقع الشعوب أن تعمل هيئة المم المتحدة باتجاهه. وما زال الاضطراب على أشده في منطقتنا، فالكيان الصهيوني متشبث بالأراضي العربي التي احتلها ويتابع عدوانه علينا بجانب استعداداته العسكرية المحمومة بشن حربٍ عدوانيةٍ جديدةٍ ستكون الخامسة من سلسلة حروبه العدوانية ولنا أن نتحسب مع ما يصدر من إشارات عنه من أن تكون حرباً نوويةً تحمل الفناء والدمار.
سيدي الرئيس
إن العالم بحاجة إلى أقصى الجهود من أجل تحقيق مطامحه في السلم والحرية والعدل والمساواة والتنمية وفي مكافحة الاستعمار والإمبريالية والاستعمار الجديد والعنصرية بأشكالها كافة بما فيها الصهيونية لأن هذا هو الطريق الوحيد لتحقيق آمال الشعوب كافة بما في ذلك شعوب الدول التي تعارض هذا الطريق. إنه طريق لتكيس مبادئ ميثاق هيئة المم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. أما بقاء الوضع الحالي فلن يفعل اكثر من ان يبقى العالم معرضاً لأخطر الصراعات المسلحة، للكوارث الاقتصادية والإنسانية والطبيعية.
سيدي الرئيس
رغم هذا الوضع المتأزم الذي يسود العالم ورغم ما في عالمنا من قوى ظلام وتأخر فإن عالمنا اليوم يعيش أياماً مجيدة. إنه يشهد انهيار العالم القديم عالم الاستعمار والامبريالية والاستعمار الجديد والعنصرية بأشكالها كافة وأبرزها الصهيوينة ويشهد الاتجاه التاريخي العظيم لشعوب العالم نحو انبثاق عالمٍ جديدٍ تنتصر فيه القضايا العادلة، إننا واثقون من انتصار هذه القضايا.
سيدي الرئيس
إن قضية فلسطين تدخل كجزء هام بين القضايا العادلة التي تناضل في سبيلها الشعوب التي تعاني الاستعمار والاضطهاد، وإذا كانت الفرصة قد أتيحت لي أن أعرضها أمامكم فإنني لن أنسى أن مثل هذه الفرصة يجب أن تتاح لكل حركات التحرر المناضلة ضد العنصرية والاستعمار. ولهذا فإنني باسم هؤلاء المناضلين من أجل الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، أدعوكم لأن تعيروا قضاياكم، كما قضيتنا، من همومكم واهتمامكم الأولوية ذاتها مما يشكل مرتكزاً أساسياً لحماية السلم في العالم وتكريس عالم جديد تعيش الشعوب في ظلاله بعيداً عن الاضطهاد والظلم والخوف والاستغلال، ولهذا فإنني سأعرض قضيتنا ضمن هذا الإطار وفي سبيل هذا الهدف.
وإننا حين نتكلم من على هذا المنبر الدولي فإن ذلك تعبيراً في حد ذاته عن إيماننا بالنضال السياسي والدبلوماسي مكملاً معززاً لنضالنا المسلح وتعبيراً عن تقديرنا للدور الذي من الممكن للأمم المتحدة أن تقوم به في حل المشكلات العالمية بعد أن تغيرت بنيتها في صالح أماني الشعوب وفي حل مشكلتنا التي تتحمل فيها هذه المؤسسة الدولية مسؤولية خاصة.
إن شعبنا يتكلم وهو يتطلع إلى المستقبل أكثر مما هو مقيد بمآسي الماضي وأغلال الحاضر. وإذا كنا ونحن نتحدث عن الحاضر نعود إلى الماضي فلأننا نريد أن نوضح بداية الطريق الذي نشقه إلى المستقبل المشرق مع كل شعوب العالم بعامة، وحركات التحرير بخاصة. وإذا كنا نعود إلى جذور قضيتنا فلأنه ما زال بين الحاضرين هنا من يحتل بيوتنا ويرتع في حقولنا ويقطف ثمار أشجارنا ويدعي أننا أشباح لا وجود لها ولا تراث ولا مستقبل. ولأن هنالك من كان يتصور، وإلى وقت قريب، وربما حتى الآن، إن مشكلتنا هي مشكلة لاجئين أو أن مشكلة الشرق الوسط هي مشكلة خلاف على حدود بين الدول العربية وبين الكيان الصهيوني أو يتصور ان شعبنا يدعي حقوقاً ليست له ويقاتل دونما سببٍ معقولٍ ومشروعٍ إلا الرغبة في تعكير السلام وإرهاب الآخرين. ولأن هنالك بينكم وأعني الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من يموّن عدونا بطائراته وقنابله وكل أدوات الفتك والتدمير ويقف منا موقف العداء ويعمد إلى تشويه حقيقة المشكلة، كل ذلك على حساب الشعب الأميركي وعلى حساب رفاهيته وعلى حساب الصداقة التي نتطلع إليها مع هذا الشعب العظيم الذي نكنّ له ولتجاربه في النضال من أجل حريته ووحدة أراضيه كل تقدير.
وإنني لأنتهز هذه المناسبة لأتوجه إلى الشعب الأميركي وأخاطبه من مكاني هنا أن يقف مع شعبنا الشجاع المناضل. أن يقف مع الحق والعدالة. أن يتذكر بطله جورج واشنطن الذي ناضل لاستقلال أميركا وحريتها. ويتذكر ابراهام لنكولن الذي وقف مع المحرومين والمعذبين ويتذكر وصايا ويلسون الأربعة عشر والتي يتبناها شعبنا إيماناً بهذه المبادئ الإنسانية العظيمة.
وأتوجه إلى الشعب الأميركي وأتساءل! هل هذه التظاهرات المعادية التي تنطلق في الخارج هي وجهه الحقيقي وما هي الجريمة التي ارتكبها شعبنا ضد الشعب الأميركي؟
لماذا هذا الوجه المعادي. هل هو لصالح أميركا؟ هل هو لصالح الجماهير الأميركية؟ حتماً لا. وأرجو أن يتذكر الشعب الأميركي أن صداقته مع أمتنا العربية هي أهم وهي أبقى وأنفع.
سيدي الرئيس
إن شرحنا لجذور قضيتنا نابع من إيماننا بأن العودة إلى أصول القضايا التي تشغل العالم أمر ضروري عند تلمس الحلول لها. وهذا منهج نطرحه على السياسة الدولية لتأخذ به بعد أن عانت الكثير وعانت الشعوب معها من محاولات تجاهل الأصول والقفز عليها أو إنكارها رضوخاً واستسلاماً للأمر الواقع.
ترجع جذور المشكلة الفلسطينية إلى أواخر القرن التاسع عشر أو بكلمات أخرى إلى ذلك العهد الذي كان يسمى عهد الاستعمار والاستيطان وبداية الانتقال إلى عصر الامبريالية حيث بدأ التخطيط الصهيوني ـ الاستعماري لغزو أرض فلسطين بمهاجرين من يهود أوروبا كما كان الحال بالنسبة للغزو الاستيطاني لأفريقيا.
في تلك الحقبة التي توطذت فيها سطوة عتاة الاستعمار القادمين من الغرب إلى أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية للاستيطان وإقامة المستعمرات وممارسة أشد أشكال الاستغلال والاضطهاد والنهب لشعوب القارات الثلاث. إنها الحقبة التي ما زلنا نشهد آثارها العنصرية البشعة في الجنوب الأفريقي وكذلك في فلسطين.
وكما استخدم الاستعمار والمستوطنون أفكار "التمدين والتحضير" لتبرير الغزو والنهب والعدوان في أفريقيا وغيرها، كذلك استخدمت هذه الذرائع لغزو فلسطين بموجات المهاجرين الصهاينة. وكما استخدم الاستعمار والمستوطنون الذين واللون والعرق واللغة لتمرير عملية استغلال الشعوب وإخضاعها بالتمييز والتفرقة والإرهاب في أفريقيا، كذلك استخدمت هذه الأساليب لاغتصاب الوطن الفلسطيني واضطهاد شعبه ومن ثم تشريده. وكما استخدم الاستعمار، وقتئذ، المحرومين والفقراء والمستغلين كوقود لنار عدوانه، ومرتكزات للاستيطان، كذلك استخدم الاستعمار العالمي والقادة الصهاينة اليهود المحرومين والمضطهدين في أوروبا كوقود للعدوان ومرتكزات للاستيطان والتمييز العنصري. إن الأيديولوجية الصهيونية التي استخدمت ضد شعبنا لاستيطان فلسطين بالغزاة الوافدين من الغرب استخدمت في الوقت ذاته لاقتلاع اليهود من جذورهم في أوطانهم المختلفة ولتغريبهم عن الأمم.
إنها أيديولوجية استعمارية استيطانية عنصرية تمييزية رجعية تلتقي مع اللاسامية في منطلقاتها، بل هي الوجه الآخر للعملة نفسها. فعندما نقول إن تابعي دين معين هو اليهودية، أياً كان وطنهم، لا ينتسبون إلى ذلك الوطن ولا يمكنهم أن يعيشوا كمواطنين متساوين مع بقية المواطنين من الطوائف الأخرى، فإن ذلك التقاء مباشر مع دعاة اللاسامية وعندما يقولون إن الحل الوحيد لمشكلتهم هو أن ينفصلوا عن الأمم والمجتمعات التي هم جزء منها عبر تاريخ طويل، ثم يهاجرون ليستوطنوا أرض شعب آخر ويحلوا محله بالقوة والإرهاب يأخذون من غيرهم الموقف نفسه الذي أخذه دعاة اللاسامية منهم.
ومن هنا نلاحظ مثلاً العلاقة الوثقى بين رودس وهو يبسط استعماره الاستيطاني في جنوب شرقي القارة الأفريقية وبين هرتزل الذي راح يخطط ويصمم لاستعماره الاستيطاني على أرض فلسطين وعندما حصل هرتزل على شهادة حسن سلوك استعماري استيطاني من رودس قدمها للحكومة البريطانية ليستصدر منها قرار التأييد والدعم مقابل أن يبني على أرض فلسطين قاعدة للاستعمار تؤمن مصالحه في أهم النقاط استراتيجية في الشرق الأوسط.
وهكذا باشرت الحركة الصهيونية متحالفة مع الاستعمار العالمي غزوتها لبلادنا. واسمحوا لي أن أوجز بعض الحقائق التالية حولها:
# كان عدد سكان فلسطين عند بداية الغزو عام 1881 وقبل قدوم أول موجة استيطان حوالي نصف مليون نسمة كلهم من العرب، مسلمين ومسيحيين ومنهم حوالي عشرون ألفاً من يهود فلسطين يعيشون جميعاً في كنف التسامح الديني الذي اشتهرت به حضارتنا.
# وكانت فلسطين أرضاً خضراء معمورة بشعبها العربي الذي يبني الحياة في وطنه ويغني ثقافته.
# وعمدت الحركة الصهيونية إلى تهجير حوالي خمسين ألف يهودي أوروبي بين عامي 1882 و 1917 لاجئة إلى شتى أساليب الاحتيال لتغرسهم في أرضنا. ونجحت في الحصول على تصريح بلفور من بريطانيا، فجسد التصريح حقيقة التحالف الصهيوني الاستعماري. وعبر هذا التصريح عن مدى ظلم الاستعمار للشعوب حيث أعطت بريطانيا وهي لا تملك وعداً للحركة الصهيونية وهي لا تستحق. وخذلت عصبة الأمم بتركيبها القديم شعبنا العربي وتبخرت وعود ومبادئ ويلسون في الهواء وفرضت علينا قسراً الاستعمار البريطاني بصورة الانتداب. وتعهد صك الانتداب الذي أصدرته عصبة الأمم المتحدة صراحة بالتمكين للغزوة الصهيونية من أرضنا.
# وعلى مدى ثلاثين عاماً بعد صدور تصريح بلفور نجحت الحركة الصهيونية مع حليفها الاستعماري في تهجير مزيد من يهود أوروبا واغتصاب أراضي عرب فلسطين. وهكذا أصبح عدد اليهود في فلسطين عام 1947 حوالي ستماية ألف يملكون أقل من 6 % من أراضي فلسطين الخصبة. بينما كان تعداد عرب فلسطين حوالي مليون وربع المليون نسمة.
# وبفعل تواطؤ الدولة المنتدبة مع الحركة الصهيونية ودعم الولايات المتحدة لهما صدر عن هذه الجمعية وهي في بداية عهدها التوصية بتقسيم وطننا فلسطين في 29 نوفمبر 1947 وسط تحركات مريبة وضغوط شديدة، فقسمت ما لا يجوز لها أن تقسم، أرض الوطن الواحد. وحين رفضنا ذلك القرار فلأننا مثل أم الطفل الحقيقية التي رفضت أن يقسم سليمان طفلها حين نازعتها عليه امرأة أخرى. ومع ذلك فقد منح قرار التقسيم المستوطنين الاستعماريين 54 % من أرض فلسطين. وكأن ذلك لم يكن كافياً بالنسبة إليهم، فشنوا حرباً إرهابيةً ضد السكان المدنيين العرب واحتلوا 81 % من مجموع مساحة فلسطين وشردوا مليون عربي. مغتصبين بذلك 524 قرية ومدينة عربية. دمروا منها 385 مدينة وقرية تدميراً كاملاً محاها من الوجود وحيث فعلوا ذلك أقاموا مستوطناتهم ومستعمراتهم فوق الأنقاض وبين بساتيننا وحقولنا.
من هنا يبدأ جذر المشكلة الفلسطينية، إن هذا يعني أن أساس المشكلة ليس خلافاً دينياً أو قومياً بين دينين أو قوميتين وليس نزاعاً على حدود بين دول متجاورة، إنها قضية شعب اغتصب وطنه وشرد من أرضه لتعيش أغلبيته في المنافي والخيام.
وقد استطاع هذا الكيان الصهيوني وبدعم من دول الاستعمار والامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية أن يتحايل على هيئة الأمم لقبوله في عضويتها ومن ثم على شطب قضية فلسطين من جدول أعمالها، وتضليل الرأي العام العالمي بتصوير المشكلة كمشكلة لاجئين بحاجة إلى عطف المحسنين أو إعادة توطينهم في بلاد الآخرين.
على أن هذه الدولة العنصرية التي قامت على أساس الاستعمار الاستيطاني لم تكتف بكل ذلك حيث جعلت من نفسها قاعدة للامبريالية وراحت تتحول إلى ترسانة من الأسلحة لإكمال مهمتها في إخضاع الشعوب العربية والعدوان عليها طمعاً في المزيد من التوسع على الأرض الفلسطينية والأراضي العربية. فإلى جانب عشرات الاعتداءات التي شنتها هذه الدولة ضد البلاد العربية قامت بحربين توسعيتين كبيرتين عام 1956 وعام 1967عرضت خلالهما السلم العالمي لخطر حقيقي.
فقد كان من نتائج العدوان الصهيوني في حزيران 1967 إن احتل العدو سيناء المصرية حتى مشارف قناة السويس، واحتل الجولان السورية فضلاً عن احتلاله للأرض الفلسطينية حتى نهر الأردن، الأمر الذي شكل وضعاً جديداً في منطقتنا وخلق ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط. ومما جعل الوضع يتفاقم أكثر، إصرار العدو على استمرار الاحتلال وتكريسه، مشكلاً رأس حربة للاستعمار العالمي ضد أمتنا العربية. وقد ضرب عرض الحائط بكل قرارات مجلس الأمن ونداءات الرأي العام العالمي للانسحاب من الأراضي التي احتلها بعد حزيران ولم تجد كل المساعي السلمية والدبلوماسية لردعه عن هذه السياسة التوسعية، فما كان أمام أمتنا العربية وفي مقدمتها دولتا مصر وسوريا إلا أن تبذل الجهود المضنية في الاستعداد العسكري من أجل الصمود أولاً في وجه هذه الغزوة الهمجية المسلحة بالقوة، وثانياً من أجل تحرير تلك الأراضي واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني بعد استنفاذ كل الوسائل السلمية. وضمن هذا الإطار اندلعت الحرب الرابعة حرب تشرين لتؤكد للعدو الصهيوني عقم سياسته الاحتلالية التوسعية واعتماده على شريعة القوة العسكرية، ولكن رغم ذلك فإن قادة الكيان الصهيوني ما زالوا بعيدين عن التعاظ بهذه الدروس، فهم يعدون العدة للحرب الخامسة ليعودوا من جديد إلى سياسة مخاطبة العرب بلغة التفوق العسكري سياسة العدوان والإرهاب والإخضاع والحرب.
سيدي الرئيس
لشد ما يتألم شعبنا حين يسمع تلك الدعايات التي تقول إن أراضيه كانت صحراء فعمرها المستوطنون الأجانب، وإن وطنه كان خالياً من السكان، وأنه لم يتضرر أحد من بني البشر نتيجة قيام هذا الكيان الاستيطاني. لا.. يا سيدي الرئيس، يجب أن تدحض هذه الأكاذيب من على هذا المنبر العالمي، ويجب أن يعرف الجميع أن فلسطين كانت مهداً لأقدم الحضارات والثقافات واستمر شعبها العربي بنشر الخضرة والبناء والحضارة والثقافة في ربوعها طوال آلاف السنين ويرفع لواء التسامح الديني ضارباً المثل على حرية العقيدة وحارساً أميناً على مقدسات جميع الأديان في وطنه. وإنني كأحد أبناء بيت المقدس أحتفظ لنفسي ولشعبي بذكريات جميلة وصور رائعة عن مظاهر التآخي الديني التي كانت تتألق في مدينتنا المقدسة قبل حلول النكبة بها. ولم ينقطع شعبنا عن ذلك إلا بعد تمكن الغزو الصهيونية الهمجية من إقامة دولة إسرائيل وتشريده. ولكنه ما زال مصمماً على الاستمرار في أداء دوره الحضاري والإنساني على أرض فلسطين، ولا يسمح بأن تتحول هذه الأراضي إلى بؤرة للعدوان على الشعوب، وإلى معسكر عنصري ضد الحضارة والثقافة والتقدم والسلام. ولهذا فإن شعبنا لا يستطيع إلا أن يوصل تراث أجداده في الكفاح ضد الغزاة، وأن يحمل شرف المسؤولية في الدفاع عن وطنه وعن أمته العربية وعن الثقافة والحضارة ومهد الديانات السماوية. وتكفينا نظرة سريعة لمواقف إسرائيل العنصرية عندما دعمت منظمة الجيش السرية في الجزائر، وفي دعمها للمستعمرين في أفريقيا سواء في الكونغو وأنغولا وموزمبيق وزمبابوي وروديسيا وجنوبي أفريقيا وفي وقوفها إلى جانب حكومة فيتنام ضد الثورة الفيتنامية، فضلاً عن مواقفها المتتابعة في هذا السياق إلى جانب الاستعماريين والعنصريين في كل مكان وعرقلتها لعمل لجنة تصفية الاستعمار ورفضها التصويت لمصحة استقلال بلدان أفريقيا ووقوفها ضد مطالب بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وبلدان عديدة أخرى في مؤتمرات "المواد الأولية والتنمية" و "قانون البحار" و "السكان" و "التغذية". كل ذلك يعطي دليلاً إضافياً على صورة العدو الذي اغتصب بلادنا، ويكشف عن شرف النضال الذي نخوضه ضده. إننا ندافع عن حلم المستقبل، وهو يدافع عن أساطير الماضي.
السيد الرئيس
إن لهذا العدو الذي نواجهه سجلاً حافلاً ضد اليهود أنفسهم فهنالك في داخل الكيان الصهيوني تمييز عنصري بشع ضد اليهود الشرقيين. وإذا كنا نحن ندين بكل ما أوتينا من قوة مذابح اليهود تحت الحكم النازي، فإن القادة الصهاينة كان يبدو أن همهم الأكبر حينذاك هو استغلالها لتحقيق الهجرة إلى فلسطين.
في 13/11/1974
سيدي الرئيس
أشكر لكم دعوتكم منظمة التحرير الفلسطينية لتشارك في هذه الدورة من دورات الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة. وأشكر كل الأعضاء المحترمين في هيئة المم المتحدة الذين أسهموا في تقرير إدراج قضية فلسطين على جدول أعمال هذه الجمعية وفي إصدار قرار بدعوتنا لعرض قضية فلسطين.
إنها لمناسبةٌ هامةٌ أن يعود بحث قضية فلسطين إلى هيئة المم المتحدة. وإننا نعتبر هذه الخطوة انتصاراً للمنظمة الدولية كما هو انتصارٌ لقضية شعبنا. وإن ذلك يشكل مؤشراً جديداً على أن هيئة الأمم المتحدة اليوم ليست هيئة الأمم بالأمس، ذلك لأن عالم اليوم ليس هو عالم الأمس.
فقد أصبحت هيئة المم اليوم تمثل 138 دولةً وأصبحت تعكس بصورةٍ نسبيةٍ أوضح إرادة المجموعة الدولية، ومن ثم فقد أصبحت أكثر قدرةً على تطبيق ميثاقها ومبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأكثر قدرةً على نصرة قضايا العدل والسلام.
وهذا ما بدأ يلمسه وتلمسه شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، الأمر الذي أخذ يعلي مكانة هذه المنظمة الدولية في عيون شعبنا وعيون بقية الشعوب، ويزيد من الآمال التي تعلقها شعوب العالم على مساهمة هيئة الأمم المتحدة في نصرة قضايا السلم والعدل والحرية والاستقلال، وتشييد عالمٍ خالٍ من الإستعمار والإمبريالية والإستعمار الجديد والعنصرية بأشكالها كافةً بما فيها الصهيونية.
سيدي الرئيس
إننا نعيش في عالمٍ يطمح للسلام والعدل والمساواة والحرية، يطمح إلى أن يرى المم المظلومة الرازحة تحت الاستعمار والاضطهاد العنصري وهي تمارس حريتها وحقها في تقرير المصير، يطمح إلى أن يرى العلاقات الدولية بين الدول كافةً تقوم على أساس المساواة والتعايش السلمي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتأمين السيادة الوطنية والاستقلال ووحدة الأراضي الإقليمية لكل دولة وإقامة علاقات إقتصادية على أساس العدل والتكافؤ والمنافع المتبادلة، يطمح لأن تصب الجهود الإنسانية على مكافحة الفقر والمجاعة والأمراض والكوارث الطبيعية، وعلى تطوير القدرات الإنتاجية والعلمية والتقنية للبشر لزيادة الثروات وتضييق الفروق بين الدول النامية والدول المتطورة، ولكن ذلك كله يصطدم بواقعٍ عالميٍّ ما زال يسوده الإضطراب والظلم والاضطهاد والإستغلال. وما زال مهدداً بالكوارث الإقتصادية والحروب والأزمات.
ما زالت شعوب كثيرة منها زيمبابوي وناميبيا وجنوب إفريقيا وفلسطين وغيرها ضحية للعدوان والقهر والبطش. وتشهد تلك المناطق من العالم صراعاً مسلحاً فرضته قوى الإستعمار والتمييز العنصري ظلماً وإرهاباً. فاضطرت الشعوب المضطهدة إلى التصدي له، وكان تصديها عادلاً ومشروعاً.
لا بد يا حضرة الرئيس من أن تسهم المجموعة الدولية في دعم هذه الشعوب ومساعدتها على انتصار قضاياها العادلة ونيلها حقها في تقرير المصير.
وما زالت شعوب الهند الصينية تتعرض للعدوان وتواجه المؤامرات لمنعها من إحلال السلام على أرضها وتحقيق أهدافها. فإذا كانت شعوب العالم قد رحبت بالإتفاق في لاوس وباتفاقية السلام في جنوبي فيتنام ما زال بعيداً عن أن يكون سلاماً حقيقياً لأن القوى التي شنت العدوان تصر على بقاء فيتنام في الاضطراب والحرب. وكذلك ما زال الشعب الكمبودي يواجه عدواناً عسكرياً. لا بد حضرة الرئيس أن تسهم المجموعة الدولية في دعم هذه الشعوب وشجب المعتدين ومعكري السلام. وما زالت القضية الكورية بعيدةً على ان تحل حلاً عادلاً وسلمياً، رغم الموقف الإيجابي السلمي الذي عبرت عنه المقترحات المقدمة من جمهورية كوريا الديمقراطية.
ولقد عشنا قبل شهور تفجر المشكلة القبرصية. وشاركنا في تحمل همومها مع شعوب العالم أجمع ولا بد لهيئة المم المتحدة أن تتابع جهودها للتوصل إلى حلٍّ عادلٍ للمشكل يجنب الشعب القبرصي أهوال الحرب وحفظ استقلاله. ولا شك في أن المشكلة القبرصية تدخل في هذا الإطار من هموم بلدان الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط.
وما زالت دول آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية تواجه اعتداءاتٍ ضاريةً على نضالها من أجل تغيير النظام الإقتصادي العالمي الحالي بنظامٍ اقتصاديٍّ عالميٍّ جديدٍ أكثر معقولية ومنطقية، وقد عبرت هذه البلدان عن ذلك في مؤتمر المواد الأولية والتنمية حيث لا بد من أن يوضع حد لعمليات النهب والاستغلال وامتصاص ثروات الشعوب الفقيرة وعرقلة جهودها من أجل التنمية والسيطرة على ثرواتها ورفع الحيف عن أسعار موادها الأولية.
وكذلك فإن هذه الدول ما زالت تواجه عراقيل أمام مطالبها العادلة المعبر عنها في مؤتمر البحار في كراكاس، ومؤتمر السكان، ومؤتمر التغذية، ولا بد للهيئة الدولية من أن تقف بحزم إلى جانب النضال من أجل إحداث تغييرات جذرية في النظام الاقتصادي العالمي لأن ذلك وحده يتيح للشعوب المتخلفة إمكانية التقدم بسرعة. ولا بد لهذه الهيئة من أن تقف بحزم ضد القوى التي تحاول تحميل مسؤولية التضخم المالي على كاهل البلدان النامية، بخاصة البلدان المنتجة للبترول، وأن تشجب التهديدات التي تتعرض لها هذه البلدان بسبب مطالبها العادلة.
سيدي الرئيس
ما زال السباق على التسلح على أشده في العالم، الأمر الذي يهدد العالم بضياع ثرواته وتبديد جهوده على هذا السباق، فضلاً عن إبقائه في خطر انفجاراتٍ مسلحةٍ خطيرة. إن الحد من السباق على التسلح، وصولاً إلى تدمير الأسلحة النووية وتخصيص ما يصرف من مبالغ طائلة على مجالات التقنيات العسكرية في ميدان تقدم العلوم وزيادة الإنتاج وتحقيق الرفاه للعالم. هذا ما تتوقع الشعوب أن تعمل هيئة المم المتحدة باتجاهه. وما زال الاضطراب على أشده في منطقتنا، فالكيان الصهيوني متشبث بالأراضي العربي التي احتلها ويتابع عدوانه علينا بجانب استعداداته العسكرية المحمومة بشن حربٍ عدوانيةٍ جديدةٍ ستكون الخامسة من سلسلة حروبه العدوانية ولنا أن نتحسب مع ما يصدر من إشارات عنه من أن تكون حرباً نوويةً تحمل الفناء والدمار.
سيدي الرئيس
إن العالم بحاجة إلى أقصى الجهود من أجل تحقيق مطامحه في السلم والحرية والعدل والمساواة والتنمية وفي مكافحة الاستعمار والإمبريالية والاستعمار الجديد والعنصرية بأشكالها كافة بما فيها الصهيونية لأن هذا هو الطريق الوحيد لتحقيق آمال الشعوب كافة بما في ذلك شعوب الدول التي تعارض هذا الطريق. إنه طريق لتكيس مبادئ ميثاق هيئة المم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. أما بقاء الوضع الحالي فلن يفعل اكثر من ان يبقى العالم معرضاً لأخطر الصراعات المسلحة، للكوارث الاقتصادية والإنسانية والطبيعية.
سيدي الرئيس
رغم هذا الوضع المتأزم الذي يسود العالم ورغم ما في عالمنا من قوى ظلام وتأخر فإن عالمنا اليوم يعيش أياماً مجيدة. إنه يشهد انهيار العالم القديم عالم الاستعمار والامبريالية والاستعمار الجديد والعنصرية بأشكالها كافة وأبرزها الصهيوينة ويشهد الاتجاه التاريخي العظيم لشعوب العالم نحو انبثاق عالمٍ جديدٍ تنتصر فيه القضايا العادلة، إننا واثقون من انتصار هذه القضايا.
سيدي الرئيس
إن قضية فلسطين تدخل كجزء هام بين القضايا العادلة التي تناضل في سبيلها الشعوب التي تعاني الاستعمار والاضطهاد، وإذا كانت الفرصة قد أتيحت لي أن أعرضها أمامكم فإنني لن أنسى أن مثل هذه الفرصة يجب أن تتاح لكل حركات التحرر المناضلة ضد العنصرية والاستعمار. ولهذا فإنني باسم هؤلاء المناضلين من أجل الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، أدعوكم لأن تعيروا قضاياكم، كما قضيتنا، من همومكم واهتمامكم الأولوية ذاتها مما يشكل مرتكزاً أساسياً لحماية السلم في العالم وتكريس عالم جديد تعيش الشعوب في ظلاله بعيداً عن الاضطهاد والظلم والخوف والاستغلال، ولهذا فإنني سأعرض قضيتنا ضمن هذا الإطار وفي سبيل هذا الهدف.
وإننا حين نتكلم من على هذا المنبر الدولي فإن ذلك تعبيراً في حد ذاته عن إيماننا بالنضال السياسي والدبلوماسي مكملاً معززاً لنضالنا المسلح وتعبيراً عن تقديرنا للدور الذي من الممكن للأمم المتحدة أن تقوم به في حل المشكلات العالمية بعد أن تغيرت بنيتها في صالح أماني الشعوب وفي حل مشكلتنا التي تتحمل فيها هذه المؤسسة الدولية مسؤولية خاصة.
إن شعبنا يتكلم وهو يتطلع إلى المستقبل أكثر مما هو مقيد بمآسي الماضي وأغلال الحاضر. وإذا كنا ونحن نتحدث عن الحاضر نعود إلى الماضي فلأننا نريد أن نوضح بداية الطريق الذي نشقه إلى المستقبل المشرق مع كل شعوب العالم بعامة، وحركات التحرير بخاصة. وإذا كنا نعود إلى جذور قضيتنا فلأنه ما زال بين الحاضرين هنا من يحتل بيوتنا ويرتع في حقولنا ويقطف ثمار أشجارنا ويدعي أننا أشباح لا وجود لها ولا تراث ولا مستقبل. ولأن هنالك من كان يتصور، وإلى وقت قريب، وربما حتى الآن، إن مشكلتنا هي مشكلة لاجئين أو أن مشكلة الشرق الوسط هي مشكلة خلاف على حدود بين الدول العربية وبين الكيان الصهيوني أو يتصور ان شعبنا يدعي حقوقاً ليست له ويقاتل دونما سببٍ معقولٍ ومشروعٍ إلا الرغبة في تعكير السلام وإرهاب الآخرين. ولأن هنالك بينكم وأعني الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من يموّن عدونا بطائراته وقنابله وكل أدوات الفتك والتدمير ويقف منا موقف العداء ويعمد إلى تشويه حقيقة المشكلة، كل ذلك على حساب الشعب الأميركي وعلى حساب رفاهيته وعلى حساب الصداقة التي نتطلع إليها مع هذا الشعب العظيم الذي نكنّ له ولتجاربه في النضال من أجل حريته ووحدة أراضيه كل تقدير.
وإنني لأنتهز هذه المناسبة لأتوجه إلى الشعب الأميركي وأخاطبه من مكاني هنا أن يقف مع شعبنا الشجاع المناضل. أن يقف مع الحق والعدالة. أن يتذكر بطله جورج واشنطن الذي ناضل لاستقلال أميركا وحريتها. ويتذكر ابراهام لنكولن الذي وقف مع المحرومين والمعذبين ويتذكر وصايا ويلسون الأربعة عشر والتي يتبناها شعبنا إيماناً بهذه المبادئ الإنسانية العظيمة.
وأتوجه إلى الشعب الأميركي وأتساءل! هل هذه التظاهرات المعادية التي تنطلق في الخارج هي وجهه الحقيقي وما هي الجريمة التي ارتكبها شعبنا ضد الشعب الأميركي؟
لماذا هذا الوجه المعادي. هل هو لصالح أميركا؟ هل هو لصالح الجماهير الأميركية؟ حتماً لا. وأرجو أن يتذكر الشعب الأميركي أن صداقته مع أمتنا العربية هي أهم وهي أبقى وأنفع.
سيدي الرئيس
إن شرحنا لجذور قضيتنا نابع من إيماننا بأن العودة إلى أصول القضايا التي تشغل العالم أمر ضروري عند تلمس الحلول لها. وهذا منهج نطرحه على السياسة الدولية لتأخذ به بعد أن عانت الكثير وعانت الشعوب معها من محاولات تجاهل الأصول والقفز عليها أو إنكارها رضوخاً واستسلاماً للأمر الواقع.
ترجع جذور المشكلة الفلسطينية إلى أواخر القرن التاسع عشر أو بكلمات أخرى إلى ذلك العهد الذي كان يسمى عهد الاستعمار والاستيطان وبداية الانتقال إلى عصر الامبريالية حيث بدأ التخطيط الصهيوني ـ الاستعماري لغزو أرض فلسطين بمهاجرين من يهود أوروبا كما كان الحال بالنسبة للغزو الاستيطاني لأفريقيا.
في تلك الحقبة التي توطذت فيها سطوة عتاة الاستعمار القادمين من الغرب إلى أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية للاستيطان وإقامة المستعمرات وممارسة أشد أشكال الاستغلال والاضطهاد والنهب لشعوب القارات الثلاث. إنها الحقبة التي ما زلنا نشهد آثارها العنصرية البشعة في الجنوب الأفريقي وكذلك في فلسطين.
وكما استخدم الاستعمار والمستوطنون أفكار "التمدين والتحضير" لتبرير الغزو والنهب والعدوان في أفريقيا وغيرها، كذلك استخدمت هذه الذرائع لغزو فلسطين بموجات المهاجرين الصهاينة. وكما استخدم الاستعمار والمستوطنون الذين واللون والعرق واللغة لتمرير عملية استغلال الشعوب وإخضاعها بالتمييز والتفرقة والإرهاب في أفريقيا، كذلك استخدمت هذه الأساليب لاغتصاب الوطن الفلسطيني واضطهاد شعبه ومن ثم تشريده. وكما استخدم الاستعمار، وقتئذ، المحرومين والفقراء والمستغلين كوقود لنار عدوانه، ومرتكزات للاستيطان، كذلك استخدم الاستعمار العالمي والقادة الصهاينة اليهود المحرومين والمضطهدين في أوروبا كوقود للعدوان ومرتكزات للاستيطان والتمييز العنصري. إن الأيديولوجية الصهيونية التي استخدمت ضد شعبنا لاستيطان فلسطين بالغزاة الوافدين من الغرب استخدمت في الوقت ذاته لاقتلاع اليهود من جذورهم في أوطانهم المختلفة ولتغريبهم عن الأمم.
إنها أيديولوجية استعمارية استيطانية عنصرية تمييزية رجعية تلتقي مع اللاسامية في منطلقاتها، بل هي الوجه الآخر للعملة نفسها. فعندما نقول إن تابعي دين معين هو اليهودية، أياً كان وطنهم، لا ينتسبون إلى ذلك الوطن ولا يمكنهم أن يعيشوا كمواطنين متساوين مع بقية المواطنين من الطوائف الأخرى، فإن ذلك التقاء مباشر مع دعاة اللاسامية وعندما يقولون إن الحل الوحيد لمشكلتهم هو أن ينفصلوا عن الأمم والمجتمعات التي هم جزء منها عبر تاريخ طويل، ثم يهاجرون ليستوطنوا أرض شعب آخر ويحلوا محله بالقوة والإرهاب يأخذون من غيرهم الموقف نفسه الذي أخذه دعاة اللاسامية منهم.
ومن هنا نلاحظ مثلاً العلاقة الوثقى بين رودس وهو يبسط استعماره الاستيطاني في جنوب شرقي القارة الأفريقية وبين هرتزل الذي راح يخطط ويصمم لاستعماره الاستيطاني على أرض فلسطين وعندما حصل هرتزل على شهادة حسن سلوك استعماري استيطاني من رودس قدمها للحكومة البريطانية ليستصدر منها قرار التأييد والدعم مقابل أن يبني على أرض فلسطين قاعدة للاستعمار تؤمن مصالحه في أهم النقاط استراتيجية في الشرق الأوسط.
وهكذا باشرت الحركة الصهيونية متحالفة مع الاستعمار العالمي غزوتها لبلادنا. واسمحوا لي أن أوجز بعض الحقائق التالية حولها:
# كان عدد سكان فلسطين عند بداية الغزو عام 1881 وقبل قدوم أول موجة استيطان حوالي نصف مليون نسمة كلهم من العرب، مسلمين ومسيحيين ومنهم حوالي عشرون ألفاً من يهود فلسطين يعيشون جميعاً في كنف التسامح الديني الذي اشتهرت به حضارتنا.
# وكانت فلسطين أرضاً خضراء معمورة بشعبها العربي الذي يبني الحياة في وطنه ويغني ثقافته.
# وعمدت الحركة الصهيونية إلى تهجير حوالي خمسين ألف يهودي أوروبي بين عامي 1882 و 1917 لاجئة إلى شتى أساليب الاحتيال لتغرسهم في أرضنا. ونجحت في الحصول على تصريح بلفور من بريطانيا، فجسد التصريح حقيقة التحالف الصهيوني الاستعماري. وعبر هذا التصريح عن مدى ظلم الاستعمار للشعوب حيث أعطت بريطانيا وهي لا تملك وعداً للحركة الصهيونية وهي لا تستحق. وخذلت عصبة الأمم بتركيبها القديم شعبنا العربي وتبخرت وعود ومبادئ ويلسون في الهواء وفرضت علينا قسراً الاستعمار البريطاني بصورة الانتداب. وتعهد صك الانتداب الذي أصدرته عصبة الأمم المتحدة صراحة بالتمكين للغزوة الصهيونية من أرضنا.
# وعلى مدى ثلاثين عاماً بعد صدور تصريح بلفور نجحت الحركة الصهيونية مع حليفها الاستعماري في تهجير مزيد من يهود أوروبا واغتصاب أراضي عرب فلسطين. وهكذا أصبح عدد اليهود في فلسطين عام 1947 حوالي ستماية ألف يملكون أقل من 6 % من أراضي فلسطين الخصبة. بينما كان تعداد عرب فلسطين حوالي مليون وربع المليون نسمة.
# وبفعل تواطؤ الدولة المنتدبة مع الحركة الصهيونية ودعم الولايات المتحدة لهما صدر عن هذه الجمعية وهي في بداية عهدها التوصية بتقسيم وطننا فلسطين في 29 نوفمبر 1947 وسط تحركات مريبة وضغوط شديدة، فقسمت ما لا يجوز لها أن تقسم، أرض الوطن الواحد. وحين رفضنا ذلك القرار فلأننا مثل أم الطفل الحقيقية التي رفضت أن يقسم سليمان طفلها حين نازعتها عليه امرأة أخرى. ومع ذلك فقد منح قرار التقسيم المستوطنين الاستعماريين 54 % من أرض فلسطين. وكأن ذلك لم يكن كافياً بالنسبة إليهم، فشنوا حرباً إرهابيةً ضد السكان المدنيين العرب واحتلوا 81 % من مجموع مساحة فلسطين وشردوا مليون عربي. مغتصبين بذلك 524 قرية ومدينة عربية. دمروا منها 385 مدينة وقرية تدميراً كاملاً محاها من الوجود وحيث فعلوا ذلك أقاموا مستوطناتهم ومستعمراتهم فوق الأنقاض وبين بساتيننا وحقولنا.
من هنا يبدأ جذر المشكلة الفلسطينية، إن هذا يعني أن أساس المشكلة ليس خلافاً دينياً أو قومياً بين دينين أو قوميتين وليس نزاعاً على حدود بين دول متجاورة، إنها قضية شعب اغتصب وطنه وشرد من أرضه لتعيش أغلبيته في المنافي والخيام.
وقد استطاع هذا الكيان الصهيوني وبدعم من دول الاستعمار والامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية أن يتحايل على هيئة الأمم لقبوله في عضويتها ومن ثم على شطب قضية فلسطين من جدول أعمالها، وتضليل الرأي العام العالمي بتصوير المشكلة كمشكلة لاجئين بحاجة إلى عطف المحسنين أو إعادة توطينهم في بلاد الآخرين.
على أن هذه الدولة العنصرية التي قامت على أساس الاستعمار الاستيطاني لم تكتف بكل ذلك حيث جعلت من نفسها قاعدة للامبريالية وراحت تتحول إلى ترسانة من الأسلحة لإكمال مهمتها في إخضاع الشعوب العربية والعدوان عليها طمعاً في المزيد من التوسع على الأرض الفلسطينية والأراضي العربية. فإلى جانب عشرات الاعتداءات التي شنتها هذه الدولة ضد البلاد العربية قامت بحربين توسعيتين كبيرتين عام 1956 وعام 1967عرضت خلالهما السلم العالمي لخطر حقيقي.
فقد كان من نتائج العدوان الصهيوني في حزيران 1967 إن احتل العدو سيناء المصرية حتى مشارف قناة السويس، واحتل الجولان السورية فضلاً عن احتلاله للأرض الفلسطينية حتى نهر الأردن، الأمر الذي شكل وضعاً جديداً في منطقتنا وخلق ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط. ومما جعل الوضع يتفاقم أكثر، إصرار العدو على استمرار الاحتلال وتكريسه، مشكلاً رأس حربة للاستعمار العالمي ضد أمتنا العربية. وقد ضرب عرض الحائط بكل قرارات مجلس الأمن ونداءات الرأي العام العالمي للانسحاب من الأراضي التي احتلها بعد حزيران ولم تجد كل المساعي السلمية والدبلوماسية لردعه عن هذه السياسة التوسعية، فما كان أمام أمتنا العربية وفي مقدمتها دولتا مصر وسوريا إلا أن تبذل الجهود المضنية في الاستعداد العسكري من أجل الصمود أولاً في وجه هذه الغزوة الهمجية المسلحة بالقوة، وثانياً من أجل تحرير تلك الأراضي واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني بعد استنفاذ كل الوسائل السلمية. وضمن هذا الإطار اندلعت الحرب الرابعة حرب تشرين لتؤكد للعدو الصهيوني عقم سياسته الاحتلالية التوسعية واعتماده على شريعة القوة العسكرية، ولكن رغم ذلك فإن قادة الكيان الصهيوني ما زالوا بعيدين عن التعاظ بهذه الدروس، فهم يعدون العدة للحرب الخامسة ليعودوا من جديد إلى سياسة مخاطبة العرب بلغة التفوق العسكري سياسة العدوان والإرهاب والإخضاع والحرب.
سيدي الرئيس
لشد ما يتألم شعبنا حين يسمع تلك الدعايات التي تقول إن أراضيه كانت صحراء فعمرها المستوطنون الأجانب، وإن وطنه كان خالياً من السكان، وأنه لم يتضرر أحد من بني البشر نتيجة قيام هذا الكيان الاستيطاني. لا.. يا سيدي الرئيس، يجب أن تدحض هذه الأكاذيب من على هذا المنبر العالمي، ويجب أن يعرف الجميع أن فلسطين كانت مهداً لأقدم الحضارات والثقافات واستمر شعبها العربي بنشر الخضرة والبناء والحضارة والثقافة في ربوعها طوال آلاف السنين ويرفع لواء التسامح الديني ضارباً المثل على حرية العقيدة وحارساً أميناً على مقدسات جميع الأديان في وطنه. وإنني كأحد أبناء بيت المقدس أحتفظ لنفسي ولشعبي بذكريات جميلة وصور رائعة عن مظاهر التآخي الديني التي كانت تتألق في مدينتنا المقدسة قبل حلول النكبة بها. ولم ينقطع شعبنا عن ذلك إلا بعد تمكن الغزو الصهيونية الهمجية من إقامة دولة إسرائيل وتشريده. ولكنه ما زال مصمماً على الاستمرار في أداء دوره الحضاري والإنساني على أرض فلسطين، ولا يسمح بأن تتحول هذه الأراضي إلى بؤرة للعدوان على الشعوب، وإلى معسكر عنصري ضد الحضارة والثقافة والتقدم والسلام. ولهذا فإن شعبنا لا يستطيع إلا أن يوصل تراث أجداده في الكفاح ضد الغزاة، وأن يحمل شرف المسؤولية في الدفاع عن وطنه وعن أمته العربية وعن الثقافة والحضارة ومهد الديانات السماوية. وتكفينا نظرة سريعة لمواقف إسرائيل العنصرية عندما دعمت منظمة الجيش السرية في الجزائر، وفي دعمها للمستعمرين في أفريقيا سواء في الكونغو وأنغولا وموزمبيق وزمبابوي وروديسيا وجنوبي أفريقيا وفي وقوفها إلى جانب حكومة فيتنام ضد الثورة الفيتنامية، فضلاً عن مواقفها المتتابعة في هذا السياق إلى جانب الاستعماريين والعنصريين في كل مكان وعرقلتها لعمل لجنة تصفية الاستعمار ورفضها التصويت لمصحة استقلال بلدان أفريقيا ووقوفها ضد مطالب بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وبلدان عديدة أخرى في مؤتمرات "المواد الأولية والتنمية" و "قانون البحار" و "السكان" و "التغذية". كل ذلك يعطي دليلاً إضافياً على صورة العدو الذي اغتصب بلادنا، ويكشف عن شرف النضال الذي نخوضه ضده. إننا ندافع عن حلم المستقبل، وهو يدافع عن أساطير الماضي.
السيد الرئيس
إن لهذا العدو الذي نواجهه سجلاً حافلاً ضد اليهود أنفسهم فهنالك في داخل الكيان الصهيوني تمييز عنصري بشع ضد اليهود الشرقيين. وإذا كنا نحن ندين بكل ما أوتينا من قوة مذابح اليهود تحت الحكم النازي، فإن القادة الصهاينة كان يبدو أن همهم الأكبر حينذاك هو استغلالها لتحقيق الهجرة إلى فلسطين.