المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نص كلمة الرئيس ياسر عرفات إلى القمة الثالثة للاتحاد الأفريقي


الصابر
03-Nov-2007, 01:41 AM
دولة السيد الرئيس مليس زيناوي رئيس القمة الثالثة للإتحاد الإفريقي

أصحاب الجلالة والفخامة الرؤساء والإخوة القادة في إفريقيا

السادة والسيدات الحضور الكرام

يسرنا بداية أن نتقدم بخالص التحية وعميق التقدير إليكم، أيها الإخوة والأصدقاء، أصحاب الجلالة والفخامة والسيادة والدولة، وأنتم تعقدون مؤتمر القمة الثالثة للاتحاد الإفريقي، كما نتوجه كذلك بتحية خاصة لكل من فخامة السيد الرئيس جواكيم ألبرتو سيشانو، رئيس جمهورية الموزامبيق، رئيس القمة الثانية للإتحاد الإفريقي، مثمنين عالياً جهوده أثناء رئاسته لقمة الاتحاد الإفريقي، وكذلك لدولة السيد الرئيس مليس زيناوي رئيس وزراء جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية، رئيس القمة الحالية على كرم الضيافة وحرارة الاستقبال، مهنئينكم برئاسة قمة الاتحاد الإفريقي هذه، ومتمنين لكم ولبلدكم الصديق النجاح في مهمتكم السامية هذه؛ ولا يفوتنا كذلك أن نوجه تحية خاصة لفخامة الأخ البروفيسور ألفا عمر كوناري، المفوض العام للاتحاد الإفريقي على جهوده القيمة لخدمة قارتكم العظيمة، إعداداً وتنظيماً لإنجاح هذه القمة وإدارتها.

ونود في هذا المقام أن نعرب كذلك عن مشاركتنا لكم في قارتكم العملاقة، التي تواجه في هذه المرحلة هذه التحديات الجسام، ونعلم كم تبذلون من جهود مضنية من أجل استكمال بلورة الأسس والهياكل الخاصة باتحادكم العتيد، الاتحاد الإفريقي الوليد، وندرك وأنتم تعقدون قمتكم حجم التحديات والقضايا الكبيرة المطروحة على أجندة اتحادكم، وكلها قضايا مصيرية تمس بحياة مواطنيكم، ومستوى معيشتهم، ومستقبل أقطاركم وشعوبكم بل وقارتكم بأسرها.

إن ما تقومون به من عمل وجهد، سواء كان ذلك على المستوى الفردي أم على المستوى الجماعي لمكافحة الجهل، والفقر، والمرض، والبطالة، والجوع، والجفاف، والمشاكل المتعددة ليستحق كل التقدير، وإن هذا العمل القيم يحتاج لكي يؤتي ثماره إلى التضامن والدعم الدولي والإقليمي لإحداث انتعاش اقتصادي، وتنمية اجتماعية حقيقية في كافة دول قارة إفريقيا، هذه القارة التي أُخذ منها الكثير، ولم تحصل إلا على النزر اليسير، ومن هنا فإن تضامن القوى الاقتصادية الكبرى ولا سيما دول G8، هو ضرورة ملحة لمساعدة إفريقيا على النهوض، وإصلاح اقتصادها، وخلق عوامل دفع داخلية لاقتصادياتها، وليس فقط التعامل مع هذه القارة من منظور أنها سوق استهلاكية ومصدر للموارد الخام الرخيصة، فإفريقيا نعم قارة غنية بمخزونها الكبير من الثروات الطبيعية، غير أن الديون التي تثقل كاهل دولها وشعوبها، تعوق فرص خلق ديناميكية اقتصادية كفيلة بتوفير الرخاء والازدهار الذي تنشدونه لشعوبكم وبلدانكم، ولذا فإن ضرورة إعادة إرساء أسس الحوار بين دول الشمال والجنوب تفرض نفسها، كما وإن الدول الغنية مدعوة لكي تساهم في التخفيف من مديونية القارة الإفريقية، إن لم نقل شطب ديونها كافة، إذ ليس من العدل أن تترك دول هذه القارة وشعوبها فريسة للفقر وغيرها من المعوقات، التي هي سبب كل الآفات التي تعاني منها دول القارة، وإن إيجاد مثل هذه الحلول ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل؛ وكلنا ثقة بكم، أيها الإخوة والأصدقاء، وبحكمتكم وحنكتكم لوضع السياسات والبرامج والخطط للنهوض بدولكم وشعوبكم، والمضي بها نحو آفاق رحبة من الرخاء والتقدم والازدهار.

وإننا في فلسطين أرضاً وشعباً وقضية نقف إلى جانبكم بقلوبنا ومشاعرنا وتضامننا الأخوي الراسخ، ونتطلع إلى اليوم الذي نتمكن فيه من رد الجميل لهذه القارة، ولكافة الإخوة والأصدقاء فيها، الذين ظلوا على الدوام نعم الإخوة والأصدقاء والنصير والداعم والمؤيد لحقوق شعبنا الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حقه في الحرية والعودة، وتقرير المصير، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وتعلمون، أيها الإخوة والأصدقاء، أننا في الوقت الذي أعلنا فيه ولا نزال نعلن، وعلى الملأ عن تمسكنا بقرارات الشرعية الدولية، وجميع الاتفاقات المبرمة، وآخرها خطة خارطة الطريق الدولية، وإدانتنا دوماً لكافة أشكال العنف والإرهاب ضد المدنيين، وخاصة الإرهاب ضد المدنيين الفلسطينيين، والذين يتعرضون لإرهاب الدولة المنظم، وبالرغم من إدانتنا لكافة أشكال الإرهاب ضد المدنيين الإسرائيليين، ومن أي جهة جاءت، إلا أن إسرائيل، قوة الاحتلال، لا زالت مستمرة في شن حملة التشويه والدعاية الكاذبة ضدنا في إفريقيا وفي سواها من أقطار العالم في محاولة منها لذر الرماد في العيون وخداع الرأي العام العالمي حول حقيقة ممارساتها وتصعيداتها العسكرية ضد شعبنا وأرضنا واقتصادنا وحتى ضد مقدساتنا المسيحية والإسلامية، بجانب الإستمرار بجرائمها البشعة، في حين لا تزال إسرائيل وجيشها المحتل ومستعمروها المستوطنون وحتى هذه اللحظة، يشنون عدوانهم المتصاعد واجتياحاتهم اليومية المستمرة وحربهم الدموية الغاشمة، التي أقل ما يقال فيها أنها حرب إبادة وتطهير عرقي ضد جماهير شعبنا الفلسطيني في كافة مدننا وقرانا ومخيماتنا من رفح جراد جنوباً، مروراً بخان يونس فدير البلح فغزة وبيت حانون إلى الخليل وكذلك إعادة احتلال مدينة بيت لحم وتحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة، ورام الله ونابلس وقلقيلية وطولكرم، وسواها من التجمعات السكنية الفلسطينية، وحتى جنين جراد، حيث تمارس أبشع عمليات القتل والاغتيال والاعتقال والتنكيل والإذلال، هذا إلى جانب التدمير المنهجي لمدننا ومخيماتنا وقرانا، وتجريف الحقول والمزارع، واجتثاث الأشجار المثمرة، وتشريد عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين الآمنين من بيوتهم، وإن هذه الممارسات الإسرائيلية هي جرائم حرب ضد الإنسانية، إذ تمثل انتهاكاً صارخاً وفاضحاً لاتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين زمن الحرب، وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وللقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وقرارات الشرعية الدولية، واضعة نفسها فوق هذه القوانين كافة، وغير عابئة بها، وهذا بشهادة الأمم المتحدة، وممثليها ومبعوثيها المقيمين وغير المقيمين، وكذلك منظمات حقوق الإنسان الدولية واليونسكو، والمنظمات غير الحكومية، ويكفي أن نشير هنا لتقرير رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في قطاع غزة، حيث يذكر فيه أن نسبة البطالة تصل إلى 50%، ونسبة الفقر84% في غزة، وأن دخل الفرد هو أقل من 2 دولار يومياً؛ ويضيف بأن الممارسات العسكرية السلبية للجيش الإسرائيلي والمستوطنين أوقعت خلال ثلاث السنوات الماضية أكثر من 4000 آلاف شهيد، و 25 ألف جريح، إضافة إلى تدمير البنية التحتية في قطاع غزة ، وهدم ما يقارب أربعة آلاف منزل، وتجريف آلاف الدونمات واقتلاع ما يزيد على 100 ألف شجرة، وتدمير عشرات الورش الصناعية والمصانع والبيوت البلاستيكية، أي الدفيئات الزراعية، وآبار الري وشبكات الكهرباء والمياه والهاتف، ونحن نقول إن حجم الخسائر والأرقام تفوق هذه المعطيات من بعيد بنسبة أكثر من الضعفين، إذا ما أضفنا حجم الخسائر في الضفة الغربية، وليس بخافٍ عليكم أن هذه السياسات والممارسات الإجرامية ترمي إلى تكريس وتشريع الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي البغيض لأرضنا ومقدساتنا المسيحية والإسلامية، في إطار محاولاتهم المستمرة لطرد شعبنا من وطنه فلسطين، وفق خطتهم للترانسفير، وذلك بإقامة المزيد من المستوطنات الاحتلالية، وتوسيع القائم منها ومصادرة مساحات كبيرة من أراضينا لأغراض عسكرية، ولتقطيع أوصال مناطقنا ببناء جدار الفصل والعزل العنصري، الذي يصادر 58% من مساحة الضفة الغربية، ويحاصر ويفصل القدس الشريف عن بيت لحم وبقية أراضينا، ويحكم وضع يد إسرائيل على أحواض المياه الجوفية في فلسطين، ويحول مناطقنا وأراضينا إلى جيتوات وسجون محاصرة ومغلقة، ناهيكم عن سياسة العقاب الجماعي الإجرامي الظالم، والحصار الاقتصادي الخانق، واحتجاز أموالنا من ضرائبنا والتي وصلت خلال هذه الفترة إلى مبالغ كبيرة جداً، هذا بجانب حرمان جماهير شعبنا من أبسط حقوقهم الدينية والمدنية والإنسانية، في حرية الحركة والتنقل والعمل والسفر، إضافة للمساس بمقدساتنا المسيحية والإسلامية وحرمان جماهيرنا من أداء شعائرهم الدينية فيها، وتدمير البنية التحتية والفوقية لمجتمعنا وخاصة مؤسساتنا الرسمية والشعبية بجانب مقدساتنا.

وكما تعرفون فان حكومة إسرائيل وبعد تسلمها رسائل الضمانات من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، فقد إستغلها شارون وأعلن عن نيته المساس بنا شخصياً، كما وأعلن أن خارطة الطريق التي وضعتها اللجنة الرباعية الدولية ووضع عليها 14 تحفظاً، وأعتبر أن إتفاق اوسلو وعملية السلام قد ماتت، في حين أننا قبلناها من طرفنا وتعاملنا معها كرزمة واحدة، وقد شاهدتم كما شاهد العالم بأسره شروع حكومة إسرائيل في تنفيذ مخططها الرامي إلى تدمير نصف مدينة رفـح والإستمرار في تصعيد العدوان، وإعادة إحتلالهم لمناطق واسعة في غزة والضفة، وخاصة مدينة بيت لحم، وبيت حانون، وبيت لاهيا، وإن ما يزعمونه عن خطتهم ونيتهم للانسحاب الوهمي من قطاع غزة، ما هو إلا محاولة تهدف للتهرب من السلام واستحقاقاته، وفرض وقائع جديدة على الأرض، تجعل تحقيق إقامة الدولة الفلسطينية، الذي هو أمر شرعي وواقعي جداً، هدفاً بعيد المنال، وخاصة بإصرارهم على السيطرة الجوية والبحرية والبرية بما فيها المعابر الدولية.

وفي ظل هذا الوضع المأساوي الذي نعيشه وشعبنا، فإننا نهيب بكم، العمل والتحرك الفاعل، سواء كان ذلك على المستوى الفردي لدولكم، أو على المستوى الجماعي لاتحادكم الإفريقي الموقر، لدى الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والقوى الدولية الفاعلة والمؤثرة، لإلزام إسرائيل، قوة الاحتلال، وحملها على احترام وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية 242، 338، 252، 425، 1397، 1515، 1544،194، إضافة للقرار 58/292 الذي رفض السيادة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشريف الشرقية، وكذلك لتطبيق خطة خارطة الطريق المقدمة من اللجنة الرباعية تطبيقاً دقيقاً وأميناً، وتحت إشراف ومراقبة دولية، ووفق جدول زمني محدد يؤدي لانسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين إلى حدود 4/6/1967، وتفكيك المستعمرات الاحتلالية، وإزالة ووقف بناء جدار الفصل والعزل العنصري، حتى يتسنى لنا تحقيق السلام العادل والدائم والشامل، سلام الشجعان، الذي نؤمن به، ووقعناه مع شريكي الراحل اسحق رابين، الذي اغتالته هذه القوى المتطرفة الحاكمة في إسرائيل، هذا السلام الذي ورغم كل المعوقات فإننا نعمل بكل تفان وإخلاص لجعله حقيقة واقعة في فلسطين من أجل أطفالهم وأطفالنا، وعلى نحو يضمن الأمن والاستقرار للجميع في المنطقة، بما في ذلك الإسرائيليين، ويكفل لشعبنا الفلسطيني العيش بكرامة وحرية وسيادة في وطنه فلسطين، وبعاصمته القدس الشريف الشرقية.

ختاماً، نجدد لكم التحية وعميق التقدير، ونتمنى لقمتكم المبجلة تحقيق جلّ ما تصبون إليه من أهداف وتطلعات سامية، والخروج بالتوصيات والقرارات التي تنشدونها لتعزيز الوحدة والتكامل بين أقطاركم، مجددين لكم، أيها الإخوة والأصدقاء، أصحاب الجلالة والفخامة والسيادة، والدولة والسعادة، التعبير عن أطيب تمنياتنا وشكرنا الجزيل لكل ما تقدمونه لشعبنا وقضيتنا، ونتمنى لكم جميعاً ، ولشعوبكم وبلدانكم الشقيقة والصديقة اضطراد الرخاء والتقدم، كما ونكرر كذلك للأمانة العامة لمؤتمركم وطواقمها الفنية، ومن خلال شخص المفوض العام لاتحادكم العتيد، الاتحاد الإفريقي، فخامة الأخ البروفيسور ألفا عمر كوناري، شكرنا لهم، بجانب تقديرنا لجهودهم في سبيل انعقاد هذه القمة وتنظيمها وإنجاح أعمالها.



والسلام عليكم


6/7/2004