المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلمة السيد الرئيس بمناسبة "مهرجان الأمم المتحدة لليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسط


الصابر
03-Nov-2007, 01:07 AM
السيدات والسادة

الأصدقاء والحضور الكرام

نحييكم جميعاً وأنتم تحتفلون اليوم في مدينة بريتوريا عاصمة جمهورية جنوب إفريقيا الصديقة، باليوم العالمي للتضامن مع شعبنا الفلسطيني، الذي أُقر في 29/ نوفمبر 1977م، من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، واعتُبر يوماً عالمياً للتضامن مع النضال العادل لشعبنا، تعبيراً وتجسيداً لعدالة قضيته ونضاله التحرري، وحقه المقدس والمشروع في نيل الحرية والاستقلال، ورفضاً للظلم والقهر والمعاناة التي يمثلها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأرضنا ومقدساتنا، هذا الاحتلال الذي لا زال يحرم شعبنا من استعادة وممارسة حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف، التي أقرتها الشرعية الدولية في قراراتها الكثيرة والتي لم تطبق حتى الآن.

ويأتي الاحتفال هذا العام، بهذا اليوم العالمي التضامني مع كفاح ونضال شعبنا الفلسطيني، في ظل ظروف صعبة جداً ومأساوية، وفي غاية السوء والمعاناة جراء استمرار وتصاعد الحرب والعدوان، والحصار الإسرائيلي على شعبنا وأرضنا ومقدساتنا، واجتياح واستباحة مدننا وقرانا ومخيماتنا، منذ أكثر من سنتين، حيث تستخدم حكومة إسرائيل، قوة الاحتلال والاستيطان، ما لديها من ترسانة الأسلحة المدمرة وحتى المحرمة دولياً، مما أدى إلى تدمير معظم نواحي الحياة عند شعبنا، إضافة إلى تدمير كافة بنانا التحتية والفوقية والاقتصادية والمدنية والأمنية، وشلّ وعطلّ عمل مؤسسات ومرافق السلطة الوطنية الفلسطينية، المدنية والأمنية منها؛ وهذه الحرب المسعورة والمدمرة والمخطط لها مسبقاً، تدور أمام أعين العالم بأسره، والذي اكتفى فقط بإصدار بيانات الاستنكار والتنديد، ودعوة الأطراف لوقف ما أسماه بالعنف المتبادل، واحترام القرارات الدولية التي لم تطبق، بل بقيت حبراً على ورق وفي الأدراج، وهذا الموقف الدولي الضعيف والمتردّد، قد سبّب ولازال يسبب المزيد من سفك الدماء واليأس والإحباط لدى شعبنا، الذي يرى ويشاهد كيف يتم تطبيق قرارات الشرعية الدولية في بعض المناطق من العالم وعلى بلدان معينة، بكل قوة وحزم وحتى التهديد باستخدام القوة العسكرية لتطبيقها، إلاّ في فلسطين، حيث لا تزال قرارات الشرعية الدولية التي ملأت أدراج الأمم المتحدة بدون تنفيذ، ولم ينفذ منها قراراً واحداً؛ وهنا فمن حق شعبنا الذي ينتظر منذ أكثر من خمسين عاماً أن يتساءل وبمرارة: إلى متى ستستمر هذه الازدواجية في تطبيق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية؟ وهل استمرار سياسة ازدواجية المعايير سيساعد في تحقيق الأمن والسلام في منطقة الشرق الأوسط ؟ أم أنها ستزيد من أجواء اليأس والإحباط والحقد والكراهية، وتدهور الأوضاع وتفجرها ؟ إن هذه السياسة الدولية التي تتصف باللاعدالة واللامنطقية، ستساهم في استمرار إذكاء جذوة الصراع في المنطقة، وستزيد من خطورتها، وتحد من فرص وإمكانية الوصول إلى تحقيق وإقامة السلام العادل والشامل، الذي يحفظ ويكفل أمن وحقوق ومصالح كل الأطراف.

وحرصاً على السلام والأمن في المنطقة والعالم، لم يعد من المقبول استمرار هذه الازدواجية، فليس من خيار أمام الشرعية الدولية إلاّ أن تطبق بنفس السياسة والحزم قراراتها المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي، وخاصة في فلسطين، هذا إذا ما كانت ترغب وتريد أن يكون لها المصداقية والاحترام المطلوب لدى شعوبنا ودولنا، وأن تحقق السلام العادل والدائم في منطقتنا، هذا السلام الذي لا يمكن بلوغه والاستفادة من ثماره في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان، والعدوان والحصار والإجرام على شعبنا الفلسطيني وسلطته الوطنية، وعلى أرضنا ومقدساتنا، ولنتذكر جميعاً أن الاحتلال الإسرائيلي هو آخر الاحتلالات الموجودة في عالمنا المعاصر.

إن المعادلة لحل وإنهاء الصراع أصبحت واضحة للجميع، وخاصة للأطراف والقوى المعنية بنجاح السلام في منطقتنا، فتحقيق وبناء سلام الشجعان في منطقتنا، وإيجاد حل نهائي عادل ومقبول للصراع الدائر فيها، يعني إنهاء الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، أي الانسحاب الفوري للقوات المحتلة الإسرائيلية من هذه الأراضي، وعندها يمكن فقط أن يتحقق الأمن والاستقرار لكافة الشعوب والدول، والعيش في إطار من حسن الجوار والاحترام المتبادل، وأن يتمكن شعبنا الفلسطيني الذي يعاني كثيراً من تجسيد استقلاله وسيادته الوطنية على أرض وطنه، فلسطين، بحدود الرابع من حزيران 1967؛ فهذا ببساطة هو جوهر ومضمون هذه المعادلة التي يجب أن تتحقق وتنفذ من قبل الشرعية الدولية، لأن استمرار الدوران حولها والتردد في تطبيقها لن يجدي نفعاً، بل يزيد من التدهور وتفجر الأوضاع وسفك الدماء، ويجعل فرص قيام السلام العادل والمنشود، تبدو بعيدة المنال، هذا إذا لم تتلاشى جرَّاء استمرار هذه السياسة الازدواجية في تطبيق قرارات الشرعية الدولية في فلسطين؛ لقد حان الوقت للمجتمع الدولي، وقبل فوات الأوان أن يتحمل كامل مسؤولياته إزاء السلام والأمن في المنطقة، وذلك بأن يبادر فوراً ودون تردّد أو تقاعس إلى تطبيق قراراته بحزم وقوة وشجاعة في فلسطين، التي وكما يذكر التاريخ أنها ستبقى مفتاح السلم والحرب في المنطقة برمتها، ففلسطين هي مهد وأرض وموطن الديانات السماوية الثلاث، التي تدعو في روحها وجوهر تعاليمها الحقة والشرعية إلى التعايش والتسامح والمحبة، واحترام الآخرين، ونبذ الحقد والكراهية والعنف بكل أشكاله.

إننا وشعبنا في فلسطين، نؤمن بالسلام العادل والمشرف، وسنظل متمسكين به انطلاقاً من قيمنا وتراثنا الحضاري والإنساني وأخلاقنا وعقيدتنا، رُغم الجراح والآلام العميقة والمعاناة اليومية الشديدة التي نعيشها في وطننا، فنحن شعب يحب السلام ويحترم الآخرين، ويرغب في التعايش وحسن الجوار، ولكن لن نقبل ومهما تكن التحديات والمخاطر والمعاناة، أن نعيش عبيداً تابعين لأحد، أو نعيش بلا كرامة وبلا حقوق، فما نريده ليس محاربة الآخرين وإنكار حقوقهم، بل العيش أحراراً وأسياداً في دولتنا المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وبأمن وسلام وحسن جوار مع كافة جيراننا، لتعود لفلسطين وللمنطقة إشراقتها ورسالتها الإنسانية السمحاء، وإشعاعها الحضاري والفكري والثقافي، ومساهمتها العظيمة في إغناء وتقدم وتطور الحضارة الإنسانية جمعاء.

فرسالتنا بهذه المناسبة للعالم أجمع وللإسرائيليين خاصة، هي أننا دعاة سلام وتعايش، ولسنا دعاة حرب وتدمير وقتل واحتلال واستيطان، ويجب أن يدرك الجميع، وخاصة الشعب الإسرائيلي أن سبب دوامة العنف الدموي الجارية الآن هو الاحتلال بكل أشكاله، الذي يعني استمرار القهر والظلم والمعاناة والآلام لشعبنا الفلسطيني، وإنكار حقوقه في أرضه ومقدساته، ورفض السلام العادل والدائم، وقد اعترف العديد من كبار المسؤولين الإسرائيليين، أن فرض الحل العسكري لم يعد مجدياً، وأنه لم ولن يحقق الأمن المنشود للإسرائيليين، فيدنا ستبقى ممدودة لجميع قوى السلام في إسرائيل للعمل المشترك من أجل فتح طريق الأمل من جديد أمام الشعبين، بديلاً عن طريق الاحتلال والاستيطان والعنف المتبادل.

وبهذه المناسبة التضامنية العالمية، فإننا نناشد كل الأحرار والأصدقاء ومحبي الحرية والسلام في العالم، وخاصة في إسرائيل أن يكون شعارنا جميعاً واحداً وموحداً، وهو أن "السلام يوفر الأمن وليس العكس، وهذا يساوي إنهاء الاحتلال والاستيطان والعدوان والحصار"، فقدرنا أن نعيش معاً في هذه الأرض المقدسة، أرض فلسطين المباركة، وجنباً إلى جنب في دولتين متجاورتين، فهذا هو الحل المقبول الذي يحظى بدعم العالم، وهو في مصلحة أجيالنا وأطفالنا، وكافة شعوب ودول العالم، وكفانا حروباً ودماراً وقتلاً؛ ونؤكد هنا على موقفنا الثابت بالوقف التام لكل الأعمال العسكرية التي تستهدف المدنيين من الجانبين، وندعو جميع الأطراف الدولية المعنية، وخاصة اللجنة الرباعية لمساعدة وتمكين السلطة الوطنية الفلسطينية من القيام بمسؤولياتها ومهامها على الأرض، التي عطَّلها وشلَّها استمرار الحصار والعدوان.

وإننا من فلسطين، ندعو كل الأشقاء والأصدقاء والأحرار في العالم، إلى استمرار وتعزيز تضامنهم معنا في هذه المرحلة المصيرية، وزيادة دعمهم لنا حتى نتمكن من إقامة وتحقيق السلام العادل والشامل في منطقتنا، الذي نتوق إليه بعد هذه العقود من الحروب والكراهية، فبهذا السلام نستطيع أن نطوي صفحة الماضي بكل آلامها ومعاناتها وظلمها، ونفتح صفحة جديدة من الأمل والتعايش وحسن الجوار، ونحفظ كذلك حقوق وأمن ومصالح كل شعوب المنطقة، ويتمكن شعبنا الفلسطيني، من تجسيد إعلانه التاريخي للاستقلال الذي أعلناه في 15/11/1988، الذي يحظى باعتراف ودعم معظم دول العالم، لأنه يستند إلى مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها بحرية ودون تدخل خارجي.

وإن شاء الله، وبدعمكم ومساعدتكم، سنحتفل معاً في فلسطين وعاصمتها القدس المحررة، بعيد استقلال شعبنا، الذي يشكل تجسيده على أرض وطننا فلسطين، ليس انتصاراً لنا فحسب، بل وانتصاراً لكم جميعاً، وللسلام العادل والشامل، سلام الشجعان، وانتصاراً كذلك لكل الأحرار والأصدقاء ومحبي الحرية والسلام في العالم، إنه انتصار للحق والعدل الذي يمثله نضالنا، وللشرعية الدولية ولقراراتها.

وفي الختام، نتوجه بالشكر إليكم جميعاً وخاصة للأصدقاء الذين نظموا هذا المهرجان التضامني، وكذلك نشكر جزيلاً جمهورية جنوب إفريقيا، رئيساً وحكومةً وشعباً، على جهودها المخلصة ومواقفها الشجاعة، لحشد التضامن والدعم الدولي لتمكين شعبنا من تجسيد وممارسة حقوقه الوطنية على أرض وطنه فلسطين، وتحقيق تسوية سلمية للمشكلة الفلسطينية، كما ونشكر أيضاً كل الأحرار والأصدقاء والمخلصين الذين يتضامنون معنا ومع النضال العادل لشعبنا، ويدعمون مسيرتنا من أجل تحقيق السلام العادل، ونيل شعبنا لحريته واستقلاله وسيادته.

والسلام عليكم


11/12/2002