المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلمة السيد الرئيس أمام المؤتمر الوطني للتنمية البشرية ألقاها نيابة عنه أمين عام الرئا


الصابر
03-Nov-2007, 12:57 AM
الأخوات والاخوة،،

إنه لمن دواعي سعادتي واعتزازي، أن أكون معكم في هذا الملتقى الهام، الذي ينعقد في آن واحد في غزة ورام الله، بنفس المحاور والأهداف، وبكل إصرار على الرد على محاولات الاحتلال المستمرة، لتقسيم وتجزئة أوصال وطننا الواحد.

ويطيب لي أن أرحب بكم، وأن أحييكم جميعاً، باسم السيد الرئيس الذي شرفني بتكليفي حضور لقائكم بالنيابة عن سيادته، حرصاً منه وتأكيداً على ما يوليه من اهتمام بمثل هذه اللقاءات النوعية، وخاصة في مثل هذه الظروف الاستثنائية التي نعيشها سواء على صعيد تجسيد أهدافنا الوطنية، أو على صعيد إعادة ترتيب بيتنا الداخلي بمعنويات عالية، وعلى كافة المستويات، غير عابئين بحملات التيئيس المدروسة أو ملتفتين لكل محاولات الإحباط، وبما يبلور تجسيد تلك الأهداف من خلال المسار الجديد الذي شرعنا بتدشينه، لتحقيق المزاوجة ما بين المهام النضالية لإنهاء الاحتلال لأرضنا، والمهام الوطنية لبناء دولتنا المستقلة عليها.

من هنا أيتها الأخوات والأخوة، تتضاعف الأهمية الكبرى لمؤتمركم وللقضية الأساسية التي يتصدى لها من خلال هذه الثلة من الأساتذة ورجال الاختصاص بمنهجية علمية مستنيرة ستفضي إن شاء الله إلى بلورة توصيات قيمة تلبي احتياجاً ماساً، وسيكون لها دور مباشر في مساعدة السلطة الوطنية الفلسطينية لترجمة سياستها في هذه المرحلة الجديدة. خاصة وأن جميعنا على دراية ووعي كامل بأن رأسمالنا الوطني الأكبر والأهم على الإطلاق هو الإنسان الفلسطيني، وهو أعز ما نملك، وأعز ما يملكه إنساننا هو أرضه وكرامته، بمعنى ممارسته لحقوقه على تراب وطنه في كنف الحرية والاستقلال الوطني، وتلك هي المعادلة التي يخوض فيها محور هذا الملتقى: التنمية البشرية ومقومات الدولة الفلسطينية.

وإذا ما تجاوزنا النظر إلى هذا المحور باعتباره مهمة أو مسؤولية إرادية أو هدفاً وطنياً، فإنه وبمقاييس العدالة والشرعية وبشقيه التنمية والدولة جزء لا يتجزأ من منظومة الحقوق… حق الشعب الفلسطيني في ممارسة حريته وتجسيد استقلاله، وحق الإنسان الفلسطيني في التنمية.



أيتها الأخوات أيها الأخوة،،،

إننا اليوم على أبواب منعطف حاسم لتجسيد هذه الحقوق، وهكذا فإننا وباختصار ووضوح، معنيون جميعاً بأن نثبت لأنفسنا أولاً وللعالم، إننا شعب جدير باستحقاق الدولة، دولة تليق بشعبنا ونضالاته وتضحياته وتليق بوعيه وكفاءاته.

إن العالم بأسره في هذه الآونة ينظر إلينا، ويحسب خطواتنا ونحن نصيغ أسس دولة القانون والمؤسسات والتعددية السياسية، التي ناضل وضحى شعبنا وعانى أشد المعاناة لإقامتها.

وجميعنا نتابع ما تستحوذ عليه مسألة إقامة الدولة الفلسطينية من اهتمام وتركيز عالمي، حتى لقد أصبح على رأس سلم أولوياته، هذا الاستحواذ الذي لم يكن أبداً منّةً أو استجداءً من أحد بقدر ما هو نتيجة لعدالة موقفنا وشرعية حقنا وبالدرجة الأولى لصمود شعبنا وتضحياته الكبيرة ونضاله البطولي… لقد باتت مسألة إقامة الدولة الفلسطينية حقيقة راسخة لا ينكرها أحد في هذا الكون ولا يتجاهل حتمية وجودها أي مكابر، بعد أن تأكد للبعيد والقريب وللصديق والخصم، انه لا أمن ولا استقرار في هذه المنطقة الحساسة من العالم، إلا بإحقاق حقوق شعبنا الوطنية الثابتة، وأن الحل العسكري ومهما بلغت شراسةُ وجبروت أدواته ووسائِله، لن يجدي نفعاً ولن ينال من عزيمة شعبنا وإصراره المستمر عبر السنيين لنيل حقوقه الوطنية مهما كانت التضحيات وبلغت التكاليف.

لقد بقي شعبنا متماسكاً موحداً، قوي الإرادة، ملتفاً حول قيادته، لم يرفع الراية البيضاء، رغم قساوة العدوان، بل يمضي شعبنا قدماً على طريق الحرية والاستقلال الذي تلوح بشائره، وأصبح موضوع إقامة الدولة أولوية العالم، ويتصدر الجهود الدولية من موقع التعامل مع الدولة الفلسطينية كحقيقة راسخة، تتوج نضال شعبنا وصموده، رغم استمرار العدوان الهمجي الذي يستهدف فيما يستهدف إلى جانب هدم المؤسسات والبنى التحتية، هز ثقتنا بأنفسنا، واغتيال الروح المعنوية لشعبنا، كما يقول قادة اليمين في إسرائيل.

ولكن وكما أثمرت الانتفاضة السابقة لشعبنا إنجاز إقامة سلطتنا الوطنية، وتأكيد الحقيقة الكيانية الفلسطينية، فإن هذا الصمود الأسطوري سينجز حتماً إقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة.

وعلى هذا الطريق وفي نطاق التصدي للمحاولات والمخططات الإسرائيلية، يأتي العمل الفلسطيني الدؤوب الذي لا يعرف الكلل أو الملل، ليدفع بزخم إضافي ونوعي للاستعداد لولادة الدولة التي نريدها بل نصر على أن تكون دولة سيدة عمادها القانون والمؤسسات، تضمن الحريات والمساواة والمساءلة و الشفافية، والمشاركة والتعددية والديمقراطية كأداة لتداول السلطة بالطرق السليمة والسلمية.

هذا هو خيارنا وقرارانا نحن، وتلك هي رؤيتنا وقناعاتنا، التي نؤمن بها ونعمل على ترجمتها.

وهذا هو مفهومنا للدولة التي نؤسس ونضع لبنات بنيانها الراسخ، والتي نراها في هذا المجال، مسؤولية فلسطينية محضة، تجسد كل تطلعات وأماني أبناء شعبنا، بما في ذلك تطلعنا وإرادتنا في بناء دولة قابلة للحياة والاستمرار، تساهم في حماية صرح السلام والاستقرار العالمي، وهذا ما يستلزم من العالم بأسره أن يوفر لهذه الدولة مقومات الدعم والإسناد، لتكون شريكاً حقيقياً مسؤولاً وعضواً فاعلاً في حماية السلم والأمن وإشاعة الازدهار والاستقرار والتعاون والاعتماد المتبادل.

وعلى هذه الأسس الواضحة ترتكز الاستجابة الفلسطينية المستمرة مع الجهود الدولية الخيرة، وخاصة تلك الجهود الحثيثة المبذولة مؤخراً، من قبل المجتمع الدولي، وفي المقدمة منها الجهود البناءة واللجنة الرباعية، الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

وبالتالي فإن هذه الجهات الدولية، وفي مقدمتها الإدارة الأمريكية مطالبه بأن تحدد بوضوح لا يقبل التأويل ضرورة أن يؤسس تصورها للدولة الفلسطينية المستقلة، القادرة على البقاء والاستمرار في كنف السلام والتعايش والاعتراف المتبادل، وفقاً لأسس وقرارات الشرعية الدولية، ومرجعية عملية السلام برمتها، وخاصة المبادرة العربية في قمة بيروت، الضامنة لحقوق شعبنا الوطنية الثابتة، بما فيها حقه في تقرير مصيره بنفسه، وإقامة دولته على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشريف والحل العادل لقضية اللاجئين.



أيتها الأخوات أيها الأخوة،،،

وإذ أعود مجدداً لأربط بين حقيقة الدولة الفلسطينية التي باتت حتمية، وبين مفهومنا للتنمية البشرية، هذا المفهوم الذي ترسخت أهميته عندما تبناه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإننا نعود لتأكيد القول بأن الإنسان هو صانع التنمية، وفي نفس الوقت هدفها.

فهذا الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن التنمية كما نراها ويحدد مفهومها البرنامج الإنمائي، هي عملية توسيع الخيارات للبشر، ولا شك أن الاستقلال وإقامة الدولة هو الإطار الذي تتفاعل فيه كل المعطيات الخاصة بهذا المفهوم.

ومن هنا وفي غياب الاستقلال وعدم وجود الدولة، كانت أهداف التنمية الفلسطينية تصطدم باستمرار بالمعوق الإسرائيلي على كافة المستويات، وفي مختلف مجالات التنمية. غير أنها وبعد قيام السلطة الوطنية بشكل خاص ورغم العوائق الإسرائيلية وربما غياب الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة بمفهومها الوطني الشامل، إلا أن قوة الدفع بقيت حية في مجتمعنا الفلسطيني كما استمرت المحاولات الرسمية وغيرها للنظر في بعض المجالات التنموية دراسة وتطبيقاً ومواكبة لمعطيات العصر.

والأهم ان شعبنا ومؤسستنا الناشئة لم تفقد صورة المستقبل الأفضل بالإمكانات المتاحة ومضاعفة الجهود والإرادة القوية الواثقة حتى بمعايير المستقبل الأجمل والأكثر إشراقاً وأملاً تجسيداً لشعارنا الأول: نعيش بأحلامنا فنصنعها حقائق اعتماداً على تطوير قدرات وإمكانات هذا الإنسان الفلسطيني ذو الطاقة المتجددة القادر دوماً على تخطي الصعاب على طريقته وبإمكاناته فهو دوماً قادر على الإبداع والابتكار واستيعاب "المنقول" أفكاراً ومادة، والرقي به في سائر المجالات، وهو يجسد ملحمة الصمود والتحدي والبقاء واجتراح النصر.

وهذه ليست مسألة سلوكية لها أهميتها بمعايير التنمية البشرية فقط، بل هي ركيزة أساسية من ركائز المفهوم التخطيطي المستقبلي والعلمي للتنمية البشرية، وتلك مسؤولية رجال الاختصاص وذوي الخبرة في هذا الملتقى وفي الملتقيات وورش العمل المماثلة على طريق بلورة استراتيجية وطنية للتنمية البشرية في بلادنا.

من هنا تنبع أهمية هذا المؤتمر الذي نحيي كافة المشاركين فيه من مختصين وأساتذة وإداريين والمنظمين لها خاصة "جامعة بير زيت" العريقة، وبالسادة ممثلي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذين نكن لهم كل تقدير واحترام والأخوة الأعزاء في وزارة التخطيط.

إننا نتطلع إلى ما سوف يتمخض عن هذا المؤتمر من توصيات أجزم بأن يكون لها قيمة مضاعفة للمساهمة في صياغة المستقبل، رؤية وواقعاً، الذي نسعى لأن تعبر عنه دولتنا الفلسطينية المستقلة الحديثة.

مكرراً لكم أطيب تحيات السيد الرئيس وداعياً من الأعماق لكم بالتوفيق.. والسلام عليكم ورحمة الله.


16/6/2002