المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلمات للوطن... من خطابات الرمز الخالد ياسر عرفات


الصابر
03-Nov-2007, 12:49 AM
من كلمات الرئيس الخالد الشهيد ياسر عرفات

عام الانتصار على نتائج العدوان

في الذكرى الثامنة عشرة لانطلاقة الثورة، يقف الرئيس عرفات مخاطباً الأبطال وأهلنا داخل الأرض المحتلة وخارجها وجماهيرنا العربية الأبية الصادقة. ويذكرهم بآية كريمة من آيات القرآن الكريم: " أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وأن الله على نصرهم لقدير، الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربنا الله ".

فقد قاتل الرجال في مواجهة العدوان الإسرائيلي المتغطرس المدعوم بقوة الولايات المتحدة الأمريكية، كان ذلك في حزيران 1982، عندما قررت حكومة إسرائيل أن تشن عدوانها على لبنان، بهدف القضاء على البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وقد تصدوا بأجسادهم للطاغوت الأمريكي الصهيوني، وحيدين في خضم الأحداث، وقد جرى ذلك في أخطر لحظة من لحظات التاريخ العربي، والمنطقة كلها تمر في أدق مرحلة من مراحل حياتها وتاريخها المعاصر، وهي مصابة بالشلل، الذي سيطر على بعض النفوس والوجدانات والضمائر، والتي جَمدت عن العمل والتفكير، أمام الصراع الذي يدور على الساحة اللبنانية بكل قساوته، ووحشيته ودمويته.

هكذا دارت الأمور، وهكذا عاشت القواعد الفلسطينية، التي كانت تختضن النساء والرجال والأطفال أقسى معركة عرفتها الأمة العربية في صراعها ضد إسرائيل، فقد كان القصف متواصلاً، وكان الجيش الإسرائيلي يواجه أقسى وأشد الدفاعات التي لم يعرفها في تاريخ حروبه، لأن الأبطال الصناديد وقد وجدوا أنفسهم وحيدين في ساحة الوغى، لم يجدوا أمامه إلا القتال والصبر والمصابرة، متكلين على الله، الذي هو قادر على نصرهم، بعد أن أُخرجوا من ديارهم إلى أصقاع الدنيا، مفجرين بنضالهم البركان القوي، الذي بدأ في بيروت، ولن يهدأ في المنطقة كلها، والذي بدأ يأخذ أبعاده واستعداداته على كافة الخريطة السياسية في المنطقة، لكي يظهر الزيف ويكشف العورات، فلم يبعد في هذا الملعب المطعون طاعنة، ولا يبقى في وادي الموت إلانا، نحن صنّاع البطولات والملاحم، الفئة المؤمنة الصادقة، في قمة وفائها للأحداث والمبادئ والمثل، وفي قمة عطائها وتضحياتها.

الثورة الفلسطينية في عمرها الثامن عشر، وعبر شلالات الدم الزكية ومواكب الشهداء الأبرار، ومعاناة الأسرى والمعتقلين في السجون والمعتقلات الجماعية، تخترق بدمائها الحجب واالسدود، لكي تتفاعل مع جماهير الأمة العربية والأحرار والشرفاء في العالم، وقد صنعت ملحمة الصمود في بيروت ومعارك الشرف في لبنان.

إنه القدر بكل جلاله، والمجد الذي تجلى في هذه الملاحم في عين الحلوة، والرشيدية، والبرج الشمالي، والشقيف، وصور، وصيدا، وخلدة، والدامور، والسعديات، وبحمدون، والريحان، وكامد اللوز والقرعون، والذي وقف بكل التقدير والاعتزاز والفخر أمام تاريخ بيروت وأطفال بيروت ونساء بيروت ورجال بيروت، طويلاً طويلاً بكل أكاليل غاره، أمام الأبطال الصناديد، الذين دافعوا عن بيروت، طوال الثمانين يوماً بأجسادهم ودمائهم وأرواحهم، بينما الجحيم ينصب عليهم من البر والبحر والجو، في حمم لم تنقطع ليل نهار، تحملها أحدث أنواع القنابل والقذائف والصواريخ الأمريكية الحديثة والمتطورة، وحتى تلك المحرمة دولياً.

لقد وضع البنتاغون الأمريكي هذه الأسلحة الجبارة بيد هؤلاء القتلة والمجرمين، حكام إسرائيل، ورئيس العصابات الإجرامية، قاتل الأطفال والناس، شارون ورئيسه الإرهابي بيغن، فكانت لبنان وبيوتها والأطفال الفلسطينيون، ميدان تجارب لأسلحة الدمار والخراب، التي أحدثت هذا الحجم الكبير من التدمير والقتل والتخريب.

كانت معركة الصمود في وجه العدوان الإسرائيلي عام 1982، جحيماً مسعوراً، كان فيه أبطالنا صامدين مجاهدين، وقد زادتهم هذه المعركة إيماناً، وصنعوا الأساطير، التي أخذت مكانها على أعلى القمم الخالدة، وكانت هذه المعركة بشرى لجماهير شعبنا في فلسطين وخارجه، ولأحرار الأمة العربية، حيث تأصلت المسيرة الثورية في الأرض المباركة، وبشّرت الدماء التي سالت بأنها لن تضيع هدراً، وأنها تنطلق بالبشرى بالنصر المؤكد المؤزر، وقد كانت هذه المعركة إكليل غار على رؤوس الأحرار والشرفاء، وقد تلاحمت مع الوجدان والضمير، وتألقت مع العقل والقلب نوراً وإصراراً.

وقد طمأن الرئيس عرفات الشهداء الأحبة الذين سقطوا في هذا الأتون الملتهب، وطمأن روحهم، بدءاً بالبطل الشهيد أبو الوليد سعد صايل، ومعه السرب العالي، والكوكبة النيرة، من عبد الله صيام إلى زهير إلى زكي، إلى محمد، إلى العلمي، إلى القاسم، إلى آخر القافلة من هؤلاء الفرسان الشهداء الأبرار، شهداء معارك بيروت وملحمة بيروت، وحربنا الوطنية الفلسطينية.

كان تعامل الرئيس عرفات مع الأحداث الدامية، ينطلق من الروح الصافية المؤمنة والصادقة، لكي تحدد الدرب والهدف، في إطار من الزخم الثوري المترسخ في الجماهير المعطاءة الواعية، وكان يهتدي بالمشاعل الثورية، التي تتحدى الصعاب وتدفع بالخطوب إلى الهاوية، بينما يزداد التمسك بالأهداف النبيلة، وتتعزز الخطوات الثابتة والقوية والقادرة على درب التحرير، والدرب إلى فلسطين، وطريق الجلجلة في القدس الحبيب.

لقد خرج الفرسان الصناديد من بيروت المجاهدة مرفوعي الرأس والرايات، وبنادقهم في أيديهم، لا يحملون من متاع الدنيا إلا حقيبة الجندي المقدام الشريف، هناك في بيروت، قبّلوا أرضها، ووضعوا جباههم العالية عند عيون أطفال بيروت وجماهيرها، لقد خرج هؤلاء الأبطال، لا خوفاً من الموت، ولا وهناً في العزيمة والإصرار، وإنما خرجوا من أجل عيون بيروت، وعيون نسائها، حتى لا تدمر، ولا يعمل فيها الجزّارون ذبحاً، لقد خرج هؤلاء الأبطال من بيروت، كيما تضيء الحياة في عيون أشبالهم وزهراتهم، يحملون معهم غار النصر، ويرتحلون به إلى موقع نضالي آخر، ويتعربشون سارية جيل جديد، ماضين بالثورة باتجاه فلسطين الغاية والهدف والمصير، فقد كان عامهم هذا عام مواجهة العدوان الإجرامي، الذي خططت له الإدارة الأمريكية، وغطت على جرائمه بكل ما تملك من وسائل وإمكانيات، ابتداء من الفيتو الذي يستخدمه مندوبوها في مجلس الأمن، ومروراً بالإتفاقات التي مزقوها، قبل أن يجف حبرها.

لقد خرج الأبطال في ترحال جديد، حاملين معهم آمال وطنهم وأمتهم، وتركوا الملاحم شوكة في وجه جيش العدو الصهيوني، الذي فشلت محاولتة اقتحام بيروت لأكثر من سبع عشرة مرة، ووقف شارون أمام صمودها، ذليلاً أمام أسوار صمودها ومقاومتها الصنديدة، ووضعوا الأمة العربية في واقع جديد، فكانت بيروت في حصارها وصمودها، وفي تضحياتها وبسالتها وبطولتها عاصمة العواصم وعاصمة البنادق والخنادق، وكانت في حصارها تحاصر الآخرين والكثيرين، وكانت في صمودها وبسالتها وتضحياتها النبع الثوري الذي فجّر ينابيع جديدة للعطاء.

عندما خرج ياسر عرفات من بيروت، سأله الصحفيون، إلى أين أنت ذاهب؟، فقال لهم إلى القدس، وكان الجواب مثيراً، وبعيداً عن كل إدراك، ولم يكن يتوقع أحد أن تنطلق الثورة من جديد، في مواجهة جديدة مع الأخطبوط الإمبريالي – الأميريكي – الإسرائيلي، وأن تستمر البندقية الفلسطينية مرفوعة على هامات الرجال، فقد ظن العديدون أن هذه الرحلة الجديدة، هي رحلة الضياع في الأفاق البعيدة، ولكنها كانت رحلة بداية معارك وصمود ومواجهة وتحدي لمخالب المكر والمؤامرات.

كان لا بد من وقفة مع هذا الشعب البطل، الشعب اللبناني الذي شارك المسيرة الثورية، وصنع المجد لأمته العربية، فخاطبه الرئيس، بكل عزم وثبات، مؤكداً على الوفاء والعرفان بالجميل، واستمرار النضال المشترك، حتى يندحر الاحتلال البغيض عن أرضه الكريمة، ويعود إلى لبنان استقراره وأمنه ووحدة أراضيه وشعبه.

وقد كانت استقبالات الأبطال في الأقطار العربية شاهدة على كل تقدير واحترام، وأكدت قوة الالتحام بجماهير الأمة العربية، التي أدركت أن معركة بيروت ليست آخر المعارك، وإنما هي ملحمة عربية ستتكرر برغم كل الصعوبات والتحديات، وقد جاءت مذابح صبرا وشاتيلا دعوة صريحة لمواجهة الزيف والأوهام في المنطقة كلها، وكانت تأكيداً على وحشية العدوان الذي لم يفرق بين فلسطيني أو لبناني أو عربي، ولا بين رجل أو طفل أو إمرأة، وقد التقت الجموع العربية تهزج بالحماسة، من اليمن بأشطاره، وإلى جبال الأوراس وجبال النار، إلى جماهير السودان مع النيل الهادر، إلى ضفتي الأردن، وضفاف دجلة والفرات، وتعانقت مع أبطال العرب صلاح الدين وخالد، لتنطلق من جديد في طوفان بشري، يلتقي على أرض تونس الخضراء والجزيرة العربية الشماء.

ولقد أكدت معركة بيروت أنه لا حلَّ ولا سلامَ ولا استقرار، إلا بعد حل القضية الفلسطينية، وحل قضية الشعب الفلسطينية، وحقه في العودة وتقرير مصير دولته المستقلة وعاصمتها القدس، بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، التي كرست نفسها بنضالها الطويل، كما أنها أكدت للعالم أن السلام لن يكون إلا عبر القوة والإرادة الواحدة، وأن السلام العادل، لن يكون إلا سلام الأقوياء، الذين يرفضون الخضوع والاستسلام.

وقد أرسلت معركة بيروت رسالة إلى الأمة العربية لإعادة التضامن وإعادة بناء الجبهة العربية الواحدة، وأكدت وحدتنا الفلسطينية في الداخل والخارج، ووجهت رسالة إلى العالم بأن الحق الفلسطيني لن يضيع، وأن فلسطين ستنبثق من جديد، دولة الشعب المناضل الذي عانى من الإرهاب الطويل، في تشرده، ونضاله وكفاحه من أجل وطنه فلسطين.