ناجي ابو لحيه
16-Sep-2007, 02:39 PM
حماس أسرار وخفايا انقلاب غزة
كلف الرئيس الفلسطيني محمود عباس لجنة خاصة من حكومة الطوارىء، أن تقوم بتوثيق كل آثار وجرائم التدمير والأفعال البشعة التي قامت بها حركة حماس خلال عمليتها الانقلابية التي انتهت بأن سيطرت حماس على قطاع غزة من خلال حكومة غير شرعية تمت إقالتها، ولم يزل يرأسها اسماعيل هنية، رغم عدم اعتراف كل دول العالم بتلك الحكومة.
ويعني قرار تشكيل اللجنة ان أبو مازن لن يكتفي بالفضح الإعلامي لما ارتكبته حماس من أفعال بشعة، وإنما أيضاً محاكمتهم على ما فعلوا، وهو ما يفهم بوضوح من التصور الذي أعلنه الرئيس الفلسطيني في خطابه القوي الأسبوع الماضي (21 حزيران/يونيو الماضي) إذ قال: ((لم تعد تصلح دعوات الحوار، لا بد من إنهاء الانقلاب بجميع أشكاله، وحل القوة التنفيذية، الأداة المنفذة للانقلاب واعتذار حماس إلى الشعب الفلسطيني)).
واستناداً إلى معلومات موثقة، فإن أبو مازن في خطابه ذلك كان يستند في الأصل إلى مجموعة من الوثائق المتكاملة، وبما يتوازى مع تجريم فعل حماس في البيان الصادر عن اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، يوم الجمعة قبل الماضي، ولا يقتصر ذلك فقط على ما أعلنه بشأن محاولة اغتياله شخصياً، من خلال زرع لغم وزنه 250 كيلوغراماً، مؤكداً ان المؤامرة كانت فقط تنتظر أن يعطيها خالد مشعل ساعة الصفر.. وهو إعلان من جانب أبو مازن لم يحظ باهتمام إعلامي واجب.
لكن أبو مازن نفسه، وقد بلغته هذه المعلومات قبل نحو شهر، ساهم بأريحيته في أن يحقق الانقلابيون مأربهم، ففي كثير من الأحيان كان يعطي تعليمات بعدم الرد على أفعال حماس.. راغباً في أن يكشفها أمام الرأي العام من جانب، وفي أن يمنع اندلاع الحرب الأهلية الكاملة من جانب آخر.. إلا أن هذه التعليمات بخلاف أمور أخرى ساهمت في انهيار المقاومة لموجة هجوم حماس.. في عملية الانقلاب.. التي أسماها روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى بأنها بمثابة ((حرب أيام ستة ثانية)).. لها تداعيات مماثلة لحرب الأيام الستة الأولى.. قاصداً حرب حزيران/يونيو 1967 التي قامت بها إسرائيل ضد العرب..
الواقعة السودة
الكل في غزة كان ينتظر هذا الذي جرى بصورة أو أخرى، وقد كان البعض يقول: ((الواقعة السودة في تموز/يوليو)) وربطوا بين الموعد وبين الانتهاء من امتحانات الثانوية، ولكن يبدو أن حركة حماس، وميليشياتها المسلحة رأت أن بإمكانها أن تبكر بما تخطط له في ضوء غياب عدد من قيادات فتح عن الأراضي المحتلة، واستمراء منها لتعليمات أبو مازن بعدم الرد.. وفيما وجدته نوعاً من إخلاء الساحة الطوعي.. وربما أيضاً بسبب دوافع إقليمية أخرى.. منها الاشتعال المفاجىء لأحداث مخيم نهر البارد.. وليست بعيدة عن الدقة تلك التحليلات التي ترى ان هناك تلاقي مصالح بين عدة دول مستفيدة من الانفجار في أوضاع لبنان على هامش تشكيل محاكمة قتلة الحريري.. ومن الانفجار في أوضاع فلسطين على هامش الملف النووي الإيراني.. ومن عمل دولة عربية صغيرة تناطح السعودية في اتجاه إفشال اتفاق مكة.. هي نفسها التي تقوم الآن بوساطة سرية بين حماس وإسرائيل.. بحيث تضمن لإسرائيل ممالأة حماس.. وتضمن لحماس الفرصة في ترسيخ أوضاع الانقلاب في غزة.
وفي خلفيات كل ذلك هناك أموال طائلة تم دفعها سراً وعلناً لصالح حركة حماس، ليس من أجل إعانة المواطنين الفلسطينيين، وإنما من أجل تسليح الحركة.. وتدعيم قدرتها القتالية.. بميليشياتها المتنوعة.. وفي ذلك، تقول المعلومات ان الأموال السائلة كانت تصل إلى حماس عبر طريقين:
1- الحقائب المعبأة بملايين الدولارات التي كان يعود بها مسؤولو حماس من الخارج عبر منفذ رفح.. وبعضها كان يتم تحميله مع مواطنين عاديين أو أطر غير معلنين، مقابل نسبة من تلك الأموال. وهو ما أنشأ طبقة فاسدة جديدة.
2- الأموال التي كان يتم إسقاطها لمسؤولي حماس بحراً، وفي عرض المياه، بعد ان يتم تصبيرها كما المخدرات في اكياس داخل براميل، تسبح الى ان يتم التقاطها امام منازل مسؤولين فلسطينيين.. بعضهم بيوته الفخمة في قلب مخيمات الفقراء.
بعض هذه الاموال كان يتم بها شراء مواد تموينية، طحين وسكر وما شابه، وتوضع في اكياس مغلقة، مع 500 شيكل ثم توزع في ظلام الليل على عدد من الفلسطينيين من انصار حماس دون غيرهم.. من بقية ابناء غزة الذين لا ينتمون للحركة.. ولكن غالبية الاموال كانت توجه الى شراء السلاح الآتي رغبة من اسرائيل.. ومعظمها بنادق كلاشينكوف وأم 16 وآر بي جي، بالاضافة الى تمويل صناعة السلاح المحلية.
وفي حين كان المنسق الامني الاميركي كيث دايتون يتحدث عن تحسن في قدرات فتح من مكتبه في احد افخم فنادق تل ابيب، كان بعض المحللين الاسرائيليين يرون ان هناك تساوياً في معدلات التسليح بين حركتي فتح وحماس وان تميزت حماس برغبتها في القتال.. او للدقة ارادة القتال.. لكن الواقع اثبت عكس ذلك.. في ضوء دعم لوجيستي وتدريـبي حصلت عليه حماس من دول مختلفة ابرزها ايران فيما كان المستوى القتالي لفتح يتراجع كثيراً.
صورة القطاع
ان الوصول الى حقيقة ما جرى في عملية الانقلاب يقتضي نظرة شاملة على اوضاع غزة من كل الجوانب.. في اللحظة التي سبقت الاحداث الدامية ووصولاً اليها.
يقع قطاع غزة غرب اسرائيل على الحدود مع مصر ومساحته 362 كم وعرضه يتراوح بين 6 و12 كيلومتراً اكبر عرض عند ((خان يونس)) وأقله عند ((دير البلح)) ويتوزع القطاع على اربع محافظات.
ويعاني القطاع في نقص في المياه، والصناعة شبه غائبة عن اقتصاده، اسرائيل تغلق المعابر باستمرار وبصفة خاصة معبر ((رفح)) والذي يعد المنفذ الوحيد لخروج الفلسطينيين دون المرور بأراض اسرائيلية.
وقد دمرت اسرائيل البنية الاساسية للمطار الذي انشىء بواقع اتفاقية واي بلانتيشن عام 98 وتم اغلاقه بعد الانتفاضة بيومين.
وتبلغ نسبة البطالة نتيجة الممارسات الاسرائيلية وابرزها الاجتياحات وقفل المعابر في قطاع غزة كانت 70% قبل الاحداث الاخيرة وازدادت نسبة الفقر لتصل الآن الى 87%.
والمقصود بالفقر هو تدني مستوى الدخل الى اقل من دولارين في اليوم، وهو ما يناقض الواقع الذي كان اعتاده ((المواطن الغزاوي)).. فالجندي الذي يعمل لدى السلطة اجره 1400 شيكل أي ما يعادل 1800 جنيه مصري، وقد دفع هذا قطاعات عريضة الى ان تعتاد على بحبوحة من العيش، ومستوى معين من المعيشة، ويتضح ذلك حتى في مبانيهم التي يستخدمون فيها الحجر ((المقدسي)) والذي يصل ثمنه لـ 30 شيكلاً وقبل الازمة الاخيرة كانت قد بدأت تظهر مبان مميزة في المخيمات الثمانية في القطاع.
لقد تدهور الوضع اكثر حين عمدت اسرائيل الى تدمير البنية التحتية بعد اسر الجندي شاليط في 25 يونيو/حزيران والتدمير تم يوم 28 يونيو/حزيران الماضي بطريقة منظمة.. وبدأت بتدمير محطة الكهرباء والجسور حتى التاريخية منها والتي اسس بعضها الرئيس عبدالناصر.
ويضم القطاع مليوناً و400 الف نسمة بينهم تسعمائة الف لاجىء، والذين وصلوا الى القطاع بعد تهجيرهم من منازلهم غداة قيام دولة اسرائيل عام 1948 ويعيشون في ثمانية مخيمات تديرها وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين.
وعملياً فان وكالة (الاونروا) تطعم نحو 800 الف فلسطيني، وتشير ارقام البنك الدولي الى ان اكثر من ثلثي السكان يعيشون تحت خط الفقر دخلهم اقل من دولارين يومياً، (احصائيات نهاية العام الماضي)، وقبل تدهور الامور اخيراً لم يكن الوضع بأفضل حال. اذ كان 45% من الايدي العاملة متعطلة عن العمل، مع تجميد الولايات المتحدة للمعونات وتجميد اسرائيل للضرائب التي تعادل حوالى 55 مليون دولار شهرياً.. في ضوء ان اكثر من 30% من الشعب الفلسطيني يعتمد على الرواتب الحكومية.. واذا اخذنا بعين الاعتبار العادات الاجتماعية في غزة وكثرة الانجاب ومتوسط عدد الاسر الذي يتراوح بين 6 و 7 افراد (رئيس الوزراء الفلسطيني الذي اقيل اسماعيل هنية لديه 11 ابناً) تجد ان هناك مليوناً او اكثر يعتمدون على الرواتب.
السلطة الفلسطينية في هذا الوضع الاقتصادي الفريد هي اكبر موظف، وأكبر من ينفق، واكبر مقدم خدمات، وحين يتدهور وضعها المالي تتدهور احوال السوق فوراً.. وببساطة شديدة حين تتوقف الرواتب تصبح كل محال البقالة والسوبر ماركت خاوية.. ويضرب الصمت الاسواق.
وقد تصورت حماس في البداية ان ما سوف تتلقاه من دعم وتبرعات من بعض الدول العربية والاسلامية سوف يحل المشكلة.. ويمكنها ان تتجاوز العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بسبب سلوكها السياسي.. ومواقفها المتطرفة.. لكن هذا كان وهماً.. خاصة في ضوء ان الاموال الآتية كان يتم انفاقها على انصار حماس دون غيرهم، وعلى بناء قوة مسلحة اضافية سوف نأتي على ذكرها، فضلاً عن انها اموال لم تكن كافية.
وفي حين حدث انخفاض قدره 600 مليون دولار مرة واحدة في دخل العائلات الفلسطينية، وانتشر التسول، وارتفعت معدلات الحصول على الطعام بالدفع الآجل (الشيكات)) وتزايدت معدلات تعاطي المخدرات، واعمال الدعارة، وآلاف من الجرائم الصغيرة والسرقات المتنوعة، كان اسماعيل هنية يذهب الى زفاف احد معارفه في رفح.. ويذبح اربعة خرفان اكراماً له!.
وزادت معدلات الاضرابات، والاعتراضات وكان اشهرها الاضراب الطويل الذي استمر من سبتمبر/ايلول 2006 الى يناير/كانون الثاني 2007 على نطاق ضيق في غزة وعلى نطاق اوسع في الضفة الغربية.. ولجأت حماس الى فرض رقابة صارمة على حضور الموظفين والتـزامهم بعدد ساعات العمل، وقد كانت تواجه من يقول لها: نحن موظفون لا نقبض رواتبنا ولسنا عبيداً.
القوة التنفيذية
في خطابه الاخير تحدث ابو مازن عن ضرورة صد القوة التنفيذية التي انشأتها حماس بقوة أمنية اضافية، وقد كان ذلك هو احد بنود اتفاق مكة.. ويقول ابو مازن: ((اقمت مؤخراً غرفة عمليات مشتركة تضم الجميع بدون استثناء. وبدأنا في اجراء تغييرات في اجهزة الامن لتمكينها من القيام بدورها بشكل كفؤ، الا ان المخطط المعد سلفاً والذي توافقت عليه قيادة حماس في الداخل والخارج مع بعض اطراف اقليمية كان اسبق من محاولاتنا لتجنيب الوطن الكارثة والمأساة)).
واقعياً حاول ابو مازن دمج القوة التنفيذية في اجهزة الامن، وتقول معلومات مؤكدة انه واجه اعتراضات شديدة من قيادات في حركة فتح، بسبب موافقته على ادراج عناصر القوة التنفيذية ضمن القوة الامنية للسلطة، ولكنه وكما قال: ((كنت اتجاوز بعض احكام القانون، لكي اسد الذرائع وأمنع التوتر الذي يولد الانفجار)).
ولكن السؤال هو: كيف ولماذا انشأت حماس هذه الميليشيا، واضافت عبئاً حالياً على الاوضاع الاقتصادية المتدهورة؟ ولماذا لجأت الى انشاء ((أمن مواز).. ولايقوم على اعتمادها على كتائب عز الدين القسام.
في ابريل/نيسان 2006 اعلن وزير الداخلية الفلسطيني سعيد صيام ، التابع لحماس إنشاء هذه القوة، زاعماً أنها أقيمت لدعم قوات الأمن.. واعتبر هو تلك القوات انها ((غير مهيأة مهنياً وسياسياً للقيام بواجباتها)).. فيما يعتبر منه إبعاداً للسلطة الأمنية القائمة.
وكان واضحاً ان حماس ترغب في أن تضع غطاء قانونياً على كتائب القسام، بخلاف عناصر أخرى، لكي تجعل منها قوة أمنية شرعية.. وبعد ان كانت الكتائب تقوم بأعمال المقاومة.. وتريد حماس منها أن تقوم على تنفيذ برنامجها السياسي المتطرف في غزة.
تولى ((أبو عبيدة الجراح)) وهو قائد عسكري من حماس، قيادة هذه القوة، وشكلها بالأساس من الجناح العسكري لحماس، ومنع دخولها على عنصر تنظيم الجهاد أو فتح، وادعت حماس ان هذه القوة التنفيذية تضم إلى جانب عناصرها حصصاً من تنظيمات أخرى وقالت ان عددها لا يزيد على 6 آلاف عنصر، في حين ان التقديرات الحقيقية تراها بما يزيد على ثلاثة أضعاف ذلك.. وضمت حماس أيضاً إلى تلك القوة عدداً من الفقراء والعاطلين الباحثين عن عمل والراغبين في الحصول على 400 دولار في الشهر.
بصورة أو أخرى، لم تتمكن حماس من نشر قوتها التنفيذية في الضفة، ومن ثم بقيت مقصورة على غزة، أولاً لقوة فتح في الضفة، وثانياً لأن إسرائيل لم تسمح لها بهذا هناك.. وان أتاحت لها ذلك في غزة.
وقد حصلت عناصر من هذه القوة على تدريبات في إيران، وهناك تقارير مؤكدة حول وجود دعم مالي من طهران لهذا الجيش الإضافي الذي أنشأته حماس.. وبما يؤكد انه كانت هناك استعدادات وترتيبات للقتال الآتي.. أو الحرب الأهلية.. أو للدقة الانقلاب.. أو كما يسميها الفلسطينيون ((الواقعة السودة)).
في البداية حاولت حماس أن تبني سمعة طيبة لصالح القوة التنفيذية من خلال بسط سيطرتها على الشارع، ومنع الجرائم التي تقض أمن المواطن الفلسطيني، ووصل الأمر إلى حد أن بعض الفلسطينيين كانوا يطلبون رقم القوة التنفيذية طلباً للنجدة.. بدلاً من أن يطلبوا الشرطة العادية.. لكن هذه الصورة الذهنية لم تقو على الصمود لأكثر من سبب.
أولاً لأن اشتباكات كانون الثاني/يناير 2007 بين فتح وحماس أظهرت تورط القوة التنفيذية في الصراع، وثانياً لأن القوة التنفيذية لم تستطع أن تفرض سطوتها على عصابات الإجرام المختلفة.. التي كانت تتواطأ مع بعضها.. وثالثاً لأنها لم تكن ترغب في أن تحدث صداماً مع قطاعات في المجتمع، لا سيما بعض العائلات التي تقوم بدور ما في الانقلاب الأمني.
ويقول تقرير للمجموعة الدولية للأزمات ان عناصر من كتائب عزالدين القسام كانت تقوم بإصدار أحكام عشوائية، وتنفذ القانون بيدها في الشارع – على طريقة طالبان – ثم وقبل الانقلاب –– وبعد ذلك وفي هدوء وصمت تدفع تعويضاً للضحايا وعائلاتهم وهو ما يطرح سؤالاً عما إذا كانت حماس تفقد السيطرة على رجالها أم أنها ترعاهم سراً؟ على حد قول التقرير. وحين يتضرر الناس كانت حماس تنكر علاقتها بهؤلاء الأشخاص
فيما بعد صدور هذا التقرير بأشهر قامت عناصر من حماس بأفعال أكثر بشاعة، وأمام الكاميرات، وأذيع ذلك على محطة تلفزيون تابعة لها، وبالطبع لم يتم دفع تعويضات.. ولا تم الاعتذار عن ذلك.
تنظيم القاعدة
على الأرض، وفي سياق آخر، كانت هناك أمور أخرى تتبلور، سواء على مستوى نشوء أفكار وإرهاصات تنظيم القاعدة، أو على مستوى التشيع، أو على مستوى الصراع داخل حماس ذاتها.
أطراف كثيرة كانت ترى ان استمرار بقاء الوضع على ما هو عليه في الملف الفلسطيني وغياب الفعل المقاوم وانجرار حماس وراء بقائها في الحكومة سوف يفرض عليها معطيات جديدة في الملف الفلسطيني قد تدفع نحو صعود معين لخطاب القاعدة.
ما تم رصده من قبل المراقبين في الفترة الأخيرة أثبت ان هناك عشرات، بل مئات من الشبان قاموا بممارسة أعمال عبثية تحت شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استسلاماً لخطاب السلفية الجهادية في طبعته القاعدية، بل وربما أكثر تطرفاً نظراً لأنهم هاجموا مدارس مختلطة ومحلات فيديو ومقاهي انترنت مقارنة بممارسات القاعدة في الجزائر التي ركزت على مهاجمة الأجانب فقط وتحديداً الأميركيين، وفي هذا السياق برز اسم الجيش الإسلامي الذي أعلن احتجازه للصحافي البريطاني مراسل الـ((bbc)) واشترط للإفراج عنه الإفراج عنه ((أبي قتادة)) الموجود في السجون البريطانية، بالإضافة إلى فدية 2 مليون دولار، تطورت إلى 5 ملايين دولار، بالإضافة إلى 50 دونم أرض بما يعادل 12 فداناً ونصف فدان طلبوها من اسماعيل هنية.
الأمر المثير ان هذه المظاهر لم تقتصر على قطاع غزة، بل تعدته للضفة الغربية، وهناك دلائل ان إسرائيل رصدت في السجون الإسرائيلية ان شباناً في حماس والجهاد، بل وحتى فتح يتحركون في إطار هذا الفكر وألقت القبض على خلية كانت على وشك التحرك تحت هذا الشعار في الضفة الغربية، وإذا كان عدد من المراقبين يدعو لعدم المبالغة في توثيق الظاهرة حتى الآن، فأنا لا أقلل من أهميتها ومستقبل حضورها في حال توافر الظروف الموضوعية.. وهذه الظروف تبلورت الآن من خلال سيطرة حماس على غزة.. وقيامها هي نفسها بأفعال مماثلة في الانقلاب الأخير.
إن بروز شباب إسلاميين عدد كبير منهم من عناصر حماس يتبنون نهجاً مغايراً يعزز ظاهرة الانقلاب في الساحة الفلسطينية سيزيد من مأزق حماس، وبالتالي يسهم في زيادة التشهير والتحريض على حماس من داخل الحركة الإسلامية نفسها، وهذا ما مارسه أيمن الظواهري خلال شهرين أكثر من مرة عندما شن هجوماً على حماس بدعوى بيعها للقضية الفلسطينية وقد تردد صدى هذا بصورة أو بأخرى داخل الأراضي الفلسطينية، وربما يكون ذلك أحد الدوافع وراء ما فعلته حماس مؤخراً لكي ترد عن نفسها تهمة الظواهري.
إن حجم التعبئة الجهادية في الساحة الفلسطينية ترك آثاره على الساحتين العربية والإسلامية، ولكنه لم يكن ينسجم بأي حال من الأحوال مع التحولات الجديدة وما يتعلق بخطاب حماس العلني بعد اتفاق مكة في الوقت الذي تدخل فيه يومياً إلى المساجد جحافل من الشباب الفلسطيني الجدد الذين لم يقبلوا بالأوضاع الحالية في العراق وأفغانستان ووجدوا من جانبهم ان حماس تردد خطاباً مائعاً في نقطة هي الأكثر أهمية وحيوية بالنسبة للعالم الإسلامي، وهي فلسطين.
وبالتالي أرى ان حماس استشعرت خطورة انتشار فكر القاعدة وقامت بانقلابها، خوفاً من الخلايا النائمة للقاعدة.. وسعيها للسيطرة على الشارع الفلسطيني بقدر رغبتها في إقصاء فتح من الساحة.
هجوم التشيع
في المقابل كانت هناك موجة مد شيعي في الأراضي الفلسطينية.. لعبت بدورها في التأثير على الساحة.
هناك عناصر كثيرة ينتمون أصلاً إلى حركة الجهاد تشيعوا.. وقد أعلن في مايو 2006 أي بعد حكم حماس بشهرين عن تشكيل مجلس شيعي أعلى في الأراضي الفلسطينية، وبعدها بحوالى أسبوع تم التراجع عن هذا الكلام.. والقصة أنه شخص أفاق أعلن ان هناك مجلساً شيعياً وأنه سيرأسه.. بعد ان رصدت عديد من الدول أن إيران وبعض الدول تقوم ببذل جهود كبيرة لنشر المذهب الشيعي في عدد من الدول.. والتشيع انتشر في فلسطين في الفترة الأخيرة لانخداع كثير من الفلسطينيين بثورة الخميني بسبب خطابها الثوري الذي رافقه نشر الدعاية للمذهب الشيعي أولاً.. وثانياً بسبب دعم إيران لبعض الاحزاب والفصائل الفلسطينية على رأسها حركة الجهاد وما نتج عنه من تشيع عدد من قادتها وأفرادها بخلاف انبهار كبير بتجربة حزب الله الشيعي في لبنان بالإضافة إلى نشاط حزب الله نفسه في المخيمات الفلسطينية.
تأثر حركة الجهاد بالشيعة يعود لبدايتها، لأن ((فتحي الشقاقي)) أول مؤسسي الحركة وأول أمين عام لها كان من المتأثرين بالشيعة والثورة الإيرانية وكان يعيش في طهران طوال الوقت تقريباً.
مؤسسو حركة الجهاد كانوا متعاطفين مع الثورة الخمينية مثل عبد العزيز عودة وأسعد التميمي الذي تبرأ آخر حياته من الشيعة، كما أكد أولاده، ولكن كل ذلك انعكس على استراتيجية الحركة التي اعتبرت التحالف مع الثورة الإيرانية ركيزة أساسية في استراتيجيتها.
والفترة التي قضاها بعض قادة الحركة في ((مرج الزهور)) في لبنان كانت فترة حاسمة لأن حدثت جلسات مطولة بينهم وبين ناشطين من حزب الله ونتج عنها تبني بعض قادة حركة الجهاد الإسلامي لمبادىء التشيع وعملوا بشكل منتظم ولكن لم يظهر ذلك إلا مع بداية انتفاضة عام 2000 حين أسس بعض قادة حركة الجهاد عدة مؤسسات في بيت لحم مثل اتحاد الشباب الإسلامي، وأنشأوا ((مستوصف الإحسان الخيري)) و((مستوصف السبيل)) و((مركز الدوحة الجراحي)) و((مدرسة النقاء)) و((مركز النقاء النبوي)) بالإضافة لفتح دور قرآن كريم في المساجد وتقديم دعم مالي للطلاب واعتماد رواتب شهرية للمنتسبين واشتروا مبنى في بيت لحم بقيمة 300 ألف دولار.
يتبع
كلف الرئيس الفلسطيني محمود عباس لجنة خاصة من حكومة الطوارىء، أن تقوم بتوثيق كل آثار وجرائم التدمير والأفعال البشعة التي قامت بها حركة حماس خلال عمليتها الانقلابية التي انتهت بأن سيطرت حماس على قطاع غزة من خلال حكومة غير شرعية تمت إقالتها، ولم يزل يرأسها اسماعيل هنية، رغم عدم اعتراف كل دول العالم بتلك الحكومة.
ويعني قرار تشكيل اللجنة ان أبو مازن لن يكتفي بالفضح الإعلامي لما ارتكبته حماس من أفعال بشعة، وإنما أيضاً محاكمتهم على ما فعلوا، وهو ما يفهم بوضوح من التصور الذي أعلنه الرئيس الفلسطيني في خطابه القوي الأسبوع الماضي (21 حزيران/يونيو الماضي) إذ قال: ((لم تعد تصلح دعوات الحوار، لا بد من إنهاء الانقلاب بجميع أشكاله، وحل القوة التنفيذية، الأداة المنفذة للانقلاب واعتذار حماس إلى الشعب الفلسطيني)).
واستناداً إلى معلومات موثقة، فإن أبو مازن في خطابه ذلك كان يستند في الأصل إلى مجموعة من الوثائق المتكاملة، وبما يتوازى مع تجريم فعل حماس في البيان الصادر عن اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، يوم الجمعة قبل الماضي، ولا يقتصر ذلك فقط على ما أعلنه بشأن محاولة اغتياله شخصياً، من خلال زرع لغم وزنه 250 كيلوغراماً، مؤكداً ان المؤامرة كانت فقط تنتظر أن يعطيها خالد مشعل ساعة الصفر.. وهو إعلان من جانب أبو مازن لم يحظ باهتمام إعلامي واجب.
لكن أبو مازن نفسه، وقد بلغته هذه المعلومات قبل نحو شهر، ساهم بأريحيته في أن يحقق الانقلابيون مأربهم، ففي كثير من الأحيان كان يعطي تعليمات بعدم الرد على أفعال حماس.. راغباً في أن يكشفها أمام الرأي العام من جانب، وفي أن يمنع اندلاع الحرب الأهلية الكاملة من جانب آخر.. إلا أن هذه التعليمات بخلاف أمور أخرى ساهمت في انهيار المقاومة لموجة هجوم حماس.. في عملية الانقلاب.. التي أسماها روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى بأنها بمثابة ((حرب أيام ستة ثانية)).. لها تداعيات مماثلة لحرب الأيام الستة الأولى.. قاصداً حرب حزيران/يونيو 1967 التي قامت بها إسرائيل ضد العرب..
الواقعة السودة
الكل في غزة كان ينتظر هذا الذي جرى بصورة أو أخرى، وقد كان البعض يقول: ((الواقعة السودة في تموز/يوليو)) وربطوا بين الموعد وبين الانتهاء من امتحانات الثانوية، ولكن يبدو أن حركة حماس، وميليشياتها المسلحة رأت أن بإمكانها أن تبكر بما تخطط له في ضوء غياب عدد من قيادات فتح عن الأراضي المحتلة، واستمراء منها لتعليمات أبو مازن بعدم الرد.. وفيما وجدته نوعاً من إخلاء الساحة الطوعي.. وربما أيضاً بسبب دوافع إقليمية أخرى.. منها الاشتعال المفاجىء لأحداث مخيم نهر البارد.. وليست بعيدة عن الدقة تلك التحليلات التي ترى ان هناك تلاقي مصالح بين عدة دول مستفيدة من الانفجار في أوضاع لبنان على هامش تشكيل محاكمة قتلة الحريري.. ومن الانفجار في أوضاع فلسطين على هامش الملف النووي الإيراني.. ومن عمل دولة عربية صغيرة تناطح السعودية في اتجاه إفشال اتفاق مكة.. هي نفسها التي تقوم الآن بوساطة سرية بين حماس وإسرائيل.. بحيث تضمن لإسرائيل ممالأة حماس.. وتضمن لحماس الفرصة في ترسيخ أوضاع الانقلاب في غزة.
وفي خلفيات كل ذلك هناك أموال طائلة تم دفعها سراً وعلناً لصالح حركة حماس، ليس من أجل إعانة المواطنين الفلسطينيين، وإنما من أجل تسليح الحركة.. وتدعيم قدرتها القتالية.. بميليشياتها المتنوعة.. وفي ذلك، تقول المعلومات ان الأموال السائلة كانت تصل إلى حماس عبر طريقين:
1- الحقائب المعبأة بملايين الدولارات التي كان يعود بها مسؤولو حماس من الخارج عبر منفذ رفح.. وبعضها كان يتم تحميله مع مواطنين عاديين أو أطر غير معلنين، مقابل نسبة من تلك الأموال. وهو ما أنشأ طبقة فاسدة جديدة.
2- الأموال التي كان يتم إسقاطها لمسؤولي حماس بحراً، وفي عرض المياه، بعد ان يتم تصبيرها كما المخدرات في اكياس داخل براميل، تسبح الى ان يتم التقاطها امام منازل مسؤولين فلسطينيين.. بعضهم بيوته الفخمة في قلب مخيمات الفقراء.
بعض هذه الاموال كان يتم بها شراء مواد تموينية، طحين وسكر وما شابه، وتوضع في اكياس مغلقة، مع 500 شيكل ثم توزع في ظلام الليل على عدد من الفلسطينيين من انصار حماس دون غيرهم.. من بقية ابناء غزة الذين لا ينتمون للحركة.. ولكن غالبية الاموال كانت توجه الى شراء السلاح الآتي رغبة من اسرائيل.. ومعظمها بنادق كلاشينكوف وأم 16 وآر بي جي، بالاضافة الى تمويل صناعة السلاح المحلية.
وفي حين كان المنسق الامني الاميركي كيث دايتون يتحدث عن تحسن في قدرات فتح من مكتبه في احد افخم فنادق تل ابيب، كان بعض المحللين الاسرائيليين يرون ان هناك تساوياً في معدلات التسليح بين حركتي فتح وحماس وان تميزت حماس برغبتها في القتال.. او للدقة ارادة القتال.. لكن الواقع اثبت عكس ذلك.. في ضوء دعم لوجيستي وتدريـبي حصلت عليه حماس من دول مختلفة ابرزها ايران فيما كان المستوى القتالي لفتح يتراجع كثيراً.
صورة القطاع
ان الوصول الى حقيقة ما جرى في عملية الانقلاب يقتضي نظرة شاملة على اوضاع غزة من كل الجوانب.. في اللحظة التي سبقت الاحداث الدامية ووصولاً اليها.
يقع قطاع غزة غرب اسرائيل على الحدود مع مصر ومساحته 362 كم وعرضه يتراوح بين 6 و12 كيلومتراً اكبر عرض عند ((خان يونس)) وأقله عند ((دير البلح)) ويتوزع القطاع على اربع محافظات.
ويعاني القطاع في نقص في المياه، والصناعة شبه غائبة عن اقتصاده، اسرائيل تغلق المعابر باستمرار وبصفة خاصة معبر ((رفح)) والذي يعد المنفذ الوحيد لخروج الفلسطينيين دون المرور بأراض اسرائيلية.
وقد دمرت اسرائيل البنية الاساسية للمطار الذي انشىء بواقع اتفاقية واي بلانتيشن عام 98 وتم اغلاقه بعد الانتفاضة بيومين.
وتبلغ نسبة البطالة نتيجة الممارسات الاسرائيلية وابرزها الاجتياحات وقفل المعابر في قطاع غزة كانت 70% قبل الاحداث الاخيرة وازدادت نسبة الفقر لتصل الآن الى 87%.
والمقصود بالفقر هو تدني مستوى الدخل الى اقل من دولارين في اليوم، وهو ما يناقض الواقع الذي كان اعتاده ((المواطن الغزاوي)).. فالجندي الذي يعمل لدى السلطة اجره 1400 شيكل أي ما يعادل 1800 جنيه مصري، وقد دفع هذا قطاعات عريضة الى ان تعتاد على بحبوحة من العيش، ومستوى معين من المعيشة، ويتضح ذلك حتى في مبانيهم التي يستخدمون فيها الحجر ((المقدسي)) والذي يصل ثمنه لـ 30 شيكلاً وقبل الازمة الاخيرة كانت قد بدأت تظهر مبان مميزة في المخيمات الثمانية في القطاع.
لقد تدهور الوضع اكثر حين عمدت اسرائيل الى تدمير البنية التحتية بعد اسر الجندي شاليط في 25 يونيو/حزيران والتدمير تم يوم 28 يونيو/حزيران الماضي بطريقة منظمة.. وبدأت بتدمير محطة الكهرباء والجسور حتى التاريخية منها والتي اسس بعضها الرئيس عبدالناصر.
ويضم القطاع مليوناً و400 الف نسمة بينهم تسعمائة الف لاجىء، والذين وصلوا الى القطاع بعد تهجيرهم من منازلهم غداة قيام دولة اسرائيل عام 1948 ويعيشون في ثمانية مخيمات تديرها وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين.
وعملياً فان وكالة (الاونروا) تطعم نحو 800 الف فلسطيني، وتشير ارقام البنك الدولي الى ان اكثر من ثلثي السكان يعيشون تحت خط الفقر دخلهم اقل من دولارين يومياً، (احصائيات نهاية العام الماضي)، وقبل تدهور الامور اخيراً لم يكن الوضع بأفضل حال. اذ كان 45% من الايدي العاملة متعطلة عن العمل، مع تجميد الولايات المتحدة للمعونات وتجميد اسرائيل للضرائب التي تعادل حوالى 55 مليون دولار شهرياً.. في ضوء ان اكثر من 30% من الشعب الفلسطيني يعتمد على الرواتب الحكومية.. واذا اخذنا بعين الاعتبار العادات الاجتماعية في غزة وكثرة الانجاب ومتوسط عدد الاسر الذي يتراوح بين 6 و 7 افراد (رئيس الوزراء الفلسطيني الذي اقيل اسماعيل هنية لديه 11 ابناً) تجد ان هناك مليوناً او اكثر يعتمدون على الرواتب.
السلطة الفلسطينية في هذا الوضع الاقتصادي الفريد هي اكبر موظف، وأكبر من ينفق، واكبر مقدم خدمات، وحين يتدهور وضعها المالي تتدهور احوال السوق فوراً.. وببساطة شديدة حين تتوقف الرواتب تصبح كل محال البقالة والسوبر ماركت خاوية.. ويضرب الصمت الاسواق.
وقد تصورت حماس في البداية ان ما سوف تتلقاه من دعم وتبرعات من بعض الدول العربية والاسلامية سوف يحل المشكلة.. ويمكنها ان تتجاوز العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بسبب سلوكها السياسي.. ومواقفها المتطرفة.. لكن هذا كان وهماً.. خاصة في ضوء ان الاموال الآتية كان يتم انفاقها على انصار حماس دون غيرهم، وعلى بناء قوة مسلحة اضافية سوف نأتي على ذكرها، فضلاً عن انها اموال لم تكن كافية.
وفي حين حدث انخفاض قدره 600 مليون دولار مرة واحدة في دخل العائلات الفلسطينية، وانتشر التسول، وارتفعت معدلات الحصول على الطعام بالدفع الآجل (الشيكات)) وتزايدت معدلات تعاطي المخدرات، واعمال الدعارة، وآلاف من الجرائم الصغيرة والسرقات المتنوعة، كان اسماعيل هنية يذهب الى زفاف احد معارفه في رفح.. ويذبح اربعة خرفان اكراماً له!.
وزادت معدلات الاضرابات، والاعتراضات وكان اشهرها الاضراب الطويل الذي استمر من سبتمبر/ايلول 2006 الى يناير/كانون الثاني 2007 على نطاق ضيق في غزة وعلى نطاق اوسع في الضفة الغربية.. ولجأت حماس الى فرض رقابة صارمة على حضور الموظفين والتـزامهم بعدد ساعات العمل، وقد كانت تواجه من يقول لها: نحن موظفون لا نقبض رواتبنا ولسنا عبيداً.
القوة التنفيذية
في خطابه الاخير تحدث ابو مازن عن ضرورة صد القوة التنفيذية التي انشأتها حماس بقوة أمنية اضافية، وقد كان ذلك هو احد بنود اتفاق مكة.. ويقول ابو مازن: ((اقمت مؤخراً غرفة عمليات مشتركة تضم الجميع بدون استثناء. وبدأنا في اجراء تغييرات في اجهزة الامن لتمكينها من القيام بدورها بشكل كفؤ، الا ان المخطط المعد سلفاً والذي توافقت عليه قيادة حماس في الداخل والخارج مع بعض اطراف اقليمية كان اسبق من محاولاتنا لتجنيب الوطن الكارثة والمأساة)).
واقعياً حاول ابو مازن دمج القوة التنفيذية في اجهزة الامن، وتقول معلومات مؤكدة انه واجه اعتراضات شديدة من قيادات في حركة فتح، بسبب موافقته على ادراج عناصر القوة التنفيذية ضمن القوة الامنية للسلطة، ولكنه وكما قال: ((كنت اتجاوز بعض احكام القانون، لكي اسد الذرائع وأمنع التوتر الذي يولد الانفجار)).
ولكن السؤال هو: كيف ولماذا انشأت حماس هذه الميليشيا، واضافت عبئاً حالياً على الاوضاع الاقتصادية المتدهورة؟ ولماذا لجأت الى انشاء ((أمن مواز).. ولايقوم على اعتمادها على كتائب عز الدين القسام.
في ابريل/نيسان 2006 اعلن وزير الداخلية الفلسطيني سعيد صيام ، التابع لحماس إنشاء هذه القوة، زاعماً أنها أقيمت لدعم قوات الأمن.. واعتبر هو تلك القوات انها ((غير مهيأة مهنياً وسياسياً للقيام بواجباتها)).. فيما يعتبر منه إبعاداً للسلطة الأمنية القائمة.
وكان واضحاً ان حماس ترغب في أن تضع غطاء قانونياً على كتائب القسام، بخلاف عناصر أخرى، لكي تجعل منها قوة أمنية شرعية.. وبعد ان كانت الكتائب تقوم بأعمال المقاومة.. وتريد حماس منها أن تقوم على تنفيذ برنامجها السياسي المتطرف في غزة.
تولى ((أبو عبيدة الجراح)) وهو قائد عسكري من حماس، قيادة هذه القوة، وشكلها بالأساس من الجناح العسكري لحماس، ومنع دخولها على عنصر تنظيم الجهاد أو فتح، وادعت حماس ان هذه القوة التنفيذية تضم إلى جانب عناصرها حصصاً من تنظيمات أخرى وقالت ان عددها لا يزيد على 6 آلاف عنصر، في حين ان التقديرات الحقيقية تراها بما يزيد على ثلاثة أضعاف ذلك.. وضمت حماس أيضاً إلى تلك القوة عدداً من الفقراء والعاطلين الباحثين عن عمل والراغبين في الحصول على 400 دولار في الشهر.
بصورة أو أخرى، لم تتمكن حماس من نشر قوتها التنفيذية في الضفة، ومن ثم بقيت مقصورة على غزة، أولاً لقوة فتح في الضفة، وثانياً لأن إسرائيل لم تسمح لها بهذا هناك.. وان أتاحت لها ذلك في غزة.
وقد حصلت عناصر من هذه القوة على تدريبات في إيران، وهناك تقارير مؤكدة حول وجود دعم مالي من طهران لهذا الجيش الإضافي الذي أنشأته حماس.. وبما يؤكد انه كانت هناك استعدادات وترتيبات للقتال الآتي.. أو الحرب الأهلية.. أو للدقة الانقلاب.. أو كما يسميها الفلسطينيون ((الواقعة السودة)).
في البداية حاولت حماس أن تبني سمعة طيبة لصالح القوة التنفيذية من خلال بسط سيطرتها على الشارع، ومنع الجرائم التي تقض أمن المواطن الفلسطيني، ووصل الأمر إلى حد أن بعض الفلسطينيين كانوا يطلبون رقم القوة التنفيذية طلباً للنجدة.. بدلاً من أن يطلبوا الشرطة العادية.. لكن هذه الصورة الذهنية لم تقو على الصمود لأكثر من سبب.
أولاً لأن اشتباكات كانون الثاني/يناير 2007 بين فتح وحماس أظهرت تورط القوة التنفيذية في الصراع، وثانياً لأن القوة التنفيذية لم تستطع أن تفرض سطوتها على عصابات الإجرام المختلفة.. التي كانت تتواطأ مع بعضها.. وثالثاً لأنها لم تكن ترغب في أن تحدث صداماً مع قطاعات في المجتمع، لا سيما بعض العائلات التي تقوم بدور ما في الانقلاب الأمني.
ويقول تقرير للمجموعة الدولية للأزمات ان عناصر من كتائب عزالدين القسام كانت تقوم بإصدار أحكام عشوائية، وتنفذ القانون بيدها في الشارع – على طريقة طالبان – ثم وقبل الانقلاب –– وبعد ذلك وفي هدوء وصمت تدفع تعويضاً للضحايا وعائلاتهم وهو ما يطرح سؤالاً عما إذا كانت حماس تفقد السيطرة على رجالها أم أنها ترعاهم سراً؟ على حد قول التقرير. وحين يتضرر الناس كانت حماس تنكر علاقتها بهؤلاء الأشخاص
فيما بعد صدور هذا التقرير بأشهر قامت عناصر من حماس بأفعال أكثر بشاعة، وأمام الكاميرات، وأذيع ذلك على محطة تلفزيون تابعة لها، وبالطبع لم يتم دفع تعويضات.. ولا تم الاعتذار عن ذلك.
تنظيم القاعدة
على الأرض، وفي سياق آخر، كانت هناك أمور أخرى تتبلور، سواء على مستوى نشوء أفكار وإرهاصات تنظيم القاعدة، أو على مستوى التشيع، أو على مستوى الصراع داخل حماس ذاتها.
أطراف كثيرة كانت ترى ان استمرار بقاء الوضع على ما هو عليه في الملف الفلسطيني وغياب الفعل المقاوم وانجرار حماس وراء بقائها في الحكومة سوف يفرض عليها معطيات جديدة في الملف الفلسطيني قد تدفع نحو صعود معين لخطاب القاعدة.
ما تم رصده من قبل المراقبين في الفترة الأخيرة أثبت ان هناك عشرات، بل مئات من الشبان قاموا بممارسة أعمال عبثية تحت شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استسلاماً لخطاب السلفية الجهادية في طبعته القاعدية، بل وربما أكثر تطرفاً نظراً لأنهم هاجموا مدارس مختلطة ومحلات فيديو ومقاهي انترنت مقارنة بممارسات القاعدة في الجزائر التي ركزت على مهاجمة الأجانب فقط وتحديداً الأميركيين، وفي هذا السياق برز اسم الجيش الإسلامي الذي أعلن احتجازه للصحافي البريطاني مراسل الـ((bbc)) واشترط للإفراج عنه الإفراج عنه ((أبي قتادة)) الموجود في السجون البريطانية، بالإضافة إلى فدية 2 مليون دولار، تطورت إلى 5 ملايين دولار، بالإضافة إلى 50 دونم أرض بما يعادل 12 فداناً ونصف فدان طلبوها من اسماعيل هنية.
الأمر المثير ان هذه المظاهر لم تقتصر على قطاع غزة، بل تعدته للضفة الغربية، وهناك دلائل ان إسرائيل رصدت في السجون الإسرائيلية ان شباناً في حماس والجهاد، بل وحتى فتح يتحركون في إطار هذا الفكر وألقت القبض على خلية كانت على وشك التحرك تحت هذا الشعار في الضفة الغربية، وإذا كان عدد من المراقبين يدعو لعدم المبالغة في توثيق الظاهرة حتى الآن، فأنا لا أقلل من أهميتها ومستقبل حضورها في حال توافر الظروف الموضوعية.. وهذه الظروف تبلورت الآن من خلال سيطرة حماس على غزة.. وقيامها هي نفسها بأفعال مماثلة في الانقلاب الأخير.
إن بروز شباب إسلاميين عدد كبير منهم من عناصر حماس يتبنون نهجاً مغايراً يعزز ظاهرة الانقلاب في الساحة الفلسطينية سيزيد من مأزق حماس، وبالتالي يسهم في زيادة التشهير والتحريض على حماس من داخل الحركة الإسلامية نفسها، وهذا ما مارسه أيمن الظواهري خلال شهرين أكثر من مرة عندما شن هجوماً على حماس بدعوى بيعها للقضية الفلسطينية وقد تردد صدى هذا بصورة أو بأخرى داخل الأراضي الفلسطينية، وربما يكون ذلك أحد الدوافع وراء ما فعلته حماس مؤخراً لكي ترد عن نفسها تهمة الظواهري.
إن حجم التعبئة الجهادية في الساحة الفلسطينية ترك آثاره على الساحتين العربية والإسلامية، ولكنه لم يكن ينسجم بأي حال من الأحوال مع التحولات الجديدة وما يتعلق بخطاب حماس العلني بعد اتفاق مكة في الوقت الذي تدخل فيه يومياً إلى المساجد جحافل من الشباب الفلسطيني الجدد الذين لم يقبلوا بالأوضاع الحالية في العراق وأفغانستان ووجدوا من جانبهم ان حماس تردد خطاباً مائعاً في نقطة هي الأكثر أهمية وحيوية بالنسبة للعالم الإسلامي، وهي فلسطين.
وبالتالي أرى ان حماس استشعرت خطورة انتشار فكر القاعدة وقامت بانقلابها، خوفاً من الخلايا النائمة للقاعدة.. وسعيها للسيطرة على الشارع الفلسطيني بقدر رغبتها في إقصاء فتح من الساحة.
هجوم التشيع
في المقابل كانت هناك موجة مد شيعي في الأراضي الفلسطينية.. لعبت بدورها في التأثير على الساحة.
هناك عناصر كثيرة ينتمون أصلاً إلى حركة الجهاد تشيعوا.. وقد أعلن في مايو 2006 أي بعد حكم حماس بشهرين عن تشكيل مجلس شيعي أعلى في الأراضي الفلسطينية، وبعدها بحوالى أسبوع تم التراجع عن هذا الكلام.. والقصة أنه شخص أفاق أعلن ان هناك مجلساً شيعياً وأنه سيرأسه.. بعد ان رصدت عديد من الدول أن إيران وبعض الدول تقوم ببذل جهود كبيرة لنشر المذهب الشيعي في عدد من الدول.. والتشيع انتشر في فلسطين في الفترة الأخيرة لانخداع كثير من الفلسطينيين بثورة الخميني بسبب خطابها الثوري الذي رافقه نشر الدعاية للمذهب الشيعي أولاً.. وثانياً بسبب دعم إيران لبعض الاحزاب والفصائل الفلسطينية على رأسها حركة الجهاد وما نتج عنه من تشيع عدد من قادتها وأفرادها بخلاف انبهار كبير بتجربة حزب الله الشيعي في لبنان بالإضافة إلى نشاط حزب الله نفسه في المخيمات الفلسطينية.
تأثر حركة الجهاد بالشيعة يعود لبدايتها، لأن ((فتحي الشقاقي)) أول مؤسسي الحركة وأول أمين عام لها كان من المتأثرين بالشيعة والثورة الإيرانية وكان يعيش في طهران طوال الوقت تقريباً.
مؤسسو حركة الجهاد كانوا متعاطفين مع الثورة الخمينية مثل عبد العزيز عودة وأسعد التميمي الذي تبرأ آخر حياته من الشيعة، كما أكد أولاده، ولكن كل ذلك انعكس على استراتيجية الحركة التي اعتبرت التحالف مع الثورة الإيرانية ركيزة أساسية في استراتيجيتها.
والفترة التي قضاها بعض قادة الحركة في ((مرج الزهور)) في لبنان كانت فترة حاسمة لأن حدثت جلسات مطولة بينهم وبين ناشطين من حزب الله ونتج عنها تبني بعض قادة حركة الجهاد الإسلامي لمبادىء التشيع وعملوا بشكل منتظم ولكن لم يظهر ذلك إلا مع بداية انتفاضة عام 2000 حين أسس بعض قادة حركة الجهاد عدة مؤسسات في بيت لحم مثل اتحاد الشباب الإسلامي، وأنشأوا ((مستوصف الإحسان الخيري)) و((مستوصف السبيل)) و((مركز الدوحة الجراحي)) و((مدرسة النقاء)) و((مركز النقاء النبوي)) بالإضافة لفتح دور قرآن كريم في المساجد وتقديم دعم مالي للطلاب واعتماد رواتب شهرية للمنتسبين واشتروا مبنى في بيت لحم بقيمة 300 ألف دولار.
يتبع