المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حماس وأسرار وخفايا انقلاب غزة للاهمية


ناجي ابو لحيه
16-Sep-2007, 02:39 PM
حماس أسرار وخفايا انقلاب غزة

كلف الرئيس الفلسطيني محمود عباس لجنة خاصة من حكومة الطوارىء، أن تقوم بتوثيق كل آثار وجرائم التدمير والأفعال البشعة التي قامت بها حركة حماس خلال عمليتها الانقلابية التي انتهت بأن سيطرت حماس على قطاع غزة من خلال حكومة غير شرعية تمت إقالتها، ولم يزل يرأسها اسماعيل هنية، رغم عدم اعتراف كل دول العالم بتلك الحكومة.

ويعني قرار تشكيل اللجنة ان أبو مازن لن يكتفي بالفضح الإعلامي لما ارتكبته حماس من أفعال بشعة، وإنما أيضاً محاكمتهم على ما فعلوا، وهو ما يفهم بوضوح من التصور الذي أعلنه الرئيس الفلسطيني في خطابه القوي الأسبوع الماضي (21 حزيران/يونيو الماضي) إذ قال: ((لم تعد تصلح دعوات الحوار، لا بد من إنهاء الانقلاب بجميع أشكاله، وحل القوة التنفيذية، الأداة المنفذة للانقلاب واعتذار حماس إلى الشعب الفلسطيني)).

واستناداً إلى معلومات موثقة، فإن أبو مازن في خطابه ذلك كان يستند في الأصل إلى مجموعة من الوثائق المتكاملة، وبما يتوازى مع تجريم فعل حماس في البيان الصادر عن اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، يوم الجمعة قبل الماضي، ولا يقتصر ذلك فقط على ما أعلنه بشأن محاولة اغتياله شخصياً، من خلال زرع لغم وزنه 250 كيلوغراماً، مؤكداً ان المؤامرة كانت فقط تنتظر أن يعطيها خالد مشعل ساعة الصفر.. وهو إعلان من جانب أبو مازن لم يحظ باهتمام إعلامي واجب.

لكن أبو مازن نفسه، وقد بلغته هذه المعلومات قبل نحو شهر، ساهم بأريحيته في أن يحقق الانقلابيون مأربهم، ففي كثير من الأحيان كان يعطي تعليمات بعدم الرد على أفعال حماس.. راغباً في أن يكشفها أمام الرأي العام من جانب، وفي أن يمنع اندلاع الحرب الأهلية الكاملة من جانب آخر.. إلا أن هذه التعليمات بخلاف أمور أخرى ساهمت في انهيار المقاومة لموجة هجوم حماس.. في عملية الانقلاب.. التي أسماها روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى بأنها بمثابة ((حرب أيام ستة ثانية)).. لها تداعيات مماثلة لحرب الأيام الستة الأولى.. قاصداً حرب حزيران/يونيو 1967 التي قامت بها إسرائيل ضد العرب..



الواقعة السودة

الكل في غزة كان ينتظر هذا الذي جرى بصورة أو أخرى، وقد كان البعض يقول: ((الواقعة السودة في تموز/يوليو)) وربطوا بين الموعد وبين الانتهاء من امتحانات الثانوية، ولكن يبدو أن حركة حماس، وميليشياتها المسلحة رأت أن بإمكانها أن تبكر بما تخطط له في ضوء غياب عدد من قيادات فتح عن الأراضي المحتلة، واستمراء منها لتعليمات أبو مازن بعدم الرد.. وفيما وجدته نوعاً من إخلاء الساحة الطوعي.. وربما أيضاً بسبب دوافع إقليمية أخرى.. منها الاشتعال المفاجىء لأحداث مخيم نهر البارد.. وليست بعيدة عن الدقة تلك التحليلات التي ترى ان هناك تلاقي مصالح بين عدة دول مستفيدة من الانفجار في أوضاع لبنان على هامش تشكيل محاكمة قتلة الحريري.. ومن الانفجار في أوضاع فلسطين على هامش الملف النووي الإيراني.. ومن عمل دولة عربية صغيرة تناطح السعودية في اتجاه إفشال اتفاق مكة.. هي نفسها التي تقوم الآن بوساطة سرية بين حماس وإسرائيل.. بحيث تضمن لإسرائيل ممالأة حماس.. وتضمن لحماس الفرصة في ترسيخ أوضاع الانقلاب في غزة.

وفي خلفيات كل ذلك هناك أموال طائلة تم دفعها سراً وعلناً لصالح حركة حماس، ليس من أجل إعانة المواطنين الفلسطينيين، وإنما من أجل تسليح الحركة.. وتدعيم قدرتها القتالية.. بميليشياتها المتنوعة.. وفي ذلك، تقول المعلومات ان الأموال السائلة كانت تصل إلى حماس عبر طريقين:

1- الحقائب المعبأة بملايين الدولارات التي كان يعود بها مسؤولو حماس من الخارج عبر منفذ رفح.. وبعضها كان يتم تحميله مع مواطنين عاديين أو أطر غير معلنين، مقابل نسبة من تلك الأموال. وهو ما أنشأ طبقة فاسدة جديدة.

2- الأموال التي كان يتم إسقاطها لمسؤولي حماس بحراً، وفي عرض المياه، بعد ان يتم تصبيرها كما المخدرات في اكياس داخل براميل، تسبح الى ان يتم التقاطها امام منازل مسؤولين فلسطينيين.. بعضهم بيوته الفخمة في قلب مخيمات الفقراء.

بعض هذه الاموال كان يتم بها شراء مواد تموينية، طحين وسكر وما شابه، وتوضع في اكياس مغلقة، مع 500 شيكل ثم توزع في ظلام الليل على عدد من الفلسطينيين من انصار حماس دون غيرهم.. من بقية ابناء غزة الذين لا ينتمون للحركة.. ولكن غالبية الاموال كانت توجه الى شراء السلاح الآتي رغبة من اسرائيل.. ومعظمها بنادق كلاشينكوف وأم 16 وآر بي جي، بالاضافة الى تمويل صناعة السلاح المحلية.

وفي حين كان المنسق الامني الاميركي كيث دايتون يتحدث عن تحسن في قدرات فتح من مكتبه في احد افخم فنادق تل ابيب، كان بعض المحللين الاسرائيليين يرون ان هناك تساوياً في معدلات التسليح بين حركتي فتح وحماس وان تميزت حماس برغبتها في القتال.. او للدقة ارادة القتال.. لكن الواقع اثبت عكس ذلك.. في ضوء دعم لوجيستي وتدريـبي حصلت عليه حماس من دول مختلفة ابرزها ايران فيما كان المستوى القتالي لفتح يتراجع كثيراً.



صورة القطاع

ان الوصول الى حقيقة ما جرى في عملية الانقلاب يقتضي نظرة شاملة على اوضاع غزة من كل الجوانب.. في اللحظة التي سبقت الاحداث الدامية ووصولاً اليها.

يقع قطاع غزة غرب اسرائيل على الحدود مع مصر ومساحته 362 كم وعرضه يتراوح بين 6 و12 كيلومتراً اكبر عرض عند ((خان يونس)) وأقله عند ((دير البلح)) ويتوزع القطاع على اربع محافظات.

ويعاني القطاع في نقص في المياه، والصناعة شبه غائبة عن اقتصاده، اسرائيل تغلق المعابر باستمرار وبصفة خاصة معبر ((رفح)) والذي يعد المنفذ الوحيد لخروج الفلسطينيين دون المرور بأراض اسرائيلية.

وقد دمرت اسرائيل البنية الاساسية للمطار الذي انشىء بواقع اتفاقية واي بلانتيشن عام 98 وتم اغلاقه بعد الانتفاضة بيومين.

وتبلغ نسبة البطالة نتيجة الممارسات الاسرائيلية وابرزها الاجتياحات وقفل المعابر في قطاع غزة كانت 70% قبل الاحداث الاخيرة وازدادت نسبة الفقر لتصل الآن الى 87%.

والمقصود بالفقر هو تدني مستوى الدخل الى اقل من دولارين في اليوم، وهو ما يناقض الواقع الذي كان اعتاده ((المواطن الغزاوي)).. فالجندي الذي يعمل لدى السلطة اجره 1400 شيكل أي ما يعادل 1800 جنيه مصري، وقد دفع هذا قطاعات عريضة الى ان تعتاد على بحبوحة من العيش، ومستوى معين من المعيشة، ويتضح ذلك حتى في مبانيهم التي يستخدمون فيها الحجر ((المقدسي)) والذي يصل ثمنه لـ 30 شيكلاً وقبل الازمة الاخيرة كانت قد بدأت تظهر مبان مميزة في المخيمات الثمانية في القطاع.

لقد تدهور الوضع اكثر حين عمدت اسرائيل الى تدمير البنية التحتية بعد اسر الجندي شاليط في 25 يونيو/حزيران والتدمير تم يوم 28 يونيو/حزيران الماضي بطريقة منظمة.. وبدأت بتدمير محطة الكهرباء والجسور حتى التاريخية منها والتي اسس بعضها الرئيس عبدالناصر.

ويضم القطاع مليوناً و400 الف نسمة بينهم تسعمائة الف لاجىء، والذين وصلوا الى القطاع بعد تهجيرهم من منازلهم غداة قيام دولة اسرائيل عام 1948 ويعيشون في ثمانية مخيمات تديرها وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين.

وعملياً فان وكالة (الاونروا) تطعم نحو 800 الف فلسطيني، وتشير ارقام البنك الدولي الى ان اكثر من ثلثي السكان يعيشون تحت خط الفقر دخلهم اقل من دولارين يومياً، (احصائيات نهاية العام الماضي)، وقبل تدهور الامور اخيراً لم يكن الوضع بأفضل حال. اذ كان 45% من الايدي العاملة متعطلة عن العمل، مع تجميد الولايات المتحدة للمعونات وتجميد اسرائيل للضرائب التي تعادل حوالى 55 مليون دولار شهرياً.. في ضوء ان اكثر من 30% من الشعب الفلسطيني يعتمد على الرواتب الحكومية.. واذا اخذنا بعين الاعتبار العادات الاجتماعية في غزة وكثرة الانجاب ومتوسط عدد الاسر الذي يتراوح بين 6 و 7 افراد (رئيس الوزراء الفلسطيني الذي اقيل اسماعيل هنية لديه 11 ابناً) تجد ان هناك مليوناً او اكثر يعتمدون على الرواتب.

السلطة الفلسطينية في هذا الوضع الاقتصادي الفريد هي اكبر موظف، وأكبر من ينفق، واكبر مقدم خدمات، وحين يتدهور وضعها المالي تتدهور احوال السوق فوراً.. وببساطة شديدة حين تتوقف الرواتب تصبح كل محال البقالة والسوبر ماركت خاوية.. ويضرب الصمت الاسواق.

وقد تصورت حماس في البداية ان ما سوف تتلقاه من دعم وتبرعات من بعض الدول العربية والاسلامية سوف يحل المشكلة.. ويمكنها ان تتجاوز العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بسبب سلوكها السياسي.. ومواقفها المتطرفة.. لكن هذا كان وهماً.. خاصة في ضوء ان الاموال الآتية كان يتم انفاقها على انصار حماس دون غيرهم، وعلى بناء قوة مسلحة اضافية سوف نأتي على ذكرها، فضلاً عن انها اموال لم تكن كافية.

وفي حين حدث انخفاض قدره 600 مليون دولار مرة واحدة في دخل العائلات الفلسطينية، وانتشر التسول، وارتفعت معدلات الحصول على الطعام بالدفع الآجل (الشيكات)) وتزايدت معدلات تعاطي المخدرات، واعمال الدعارة، وآلاف من الجرائم الصغيرة والسرقات المتنوعة، كان اسماعيل هنية يذهب الى زفاف احد معارفه في رفح.. ويذبح اربعة خرفان اكراماً له!.

وزادت معدلات الاضرابات، والاعتراضات وكان اشهرها الاضراب الطويل الذي استمر من سبتمبر/ايلول 2006 الى يناير/كانون الثاني 2007 على نطاق ضيق في غزة وعلى نطاق اوسع في الضفة الغربية.. ولجأت حماس الى فرض رقابة صارمة على حضور الموظفين والتـزامهم بعدد ساعات العمل، وقد كانت تواجه من يقول لها: نحن موظفون لا نقبض رواتبنا ولسنا عبيداً.



القوة التنفيذية

في خطابه الاخير تحدث ابو مازن عن ضرورة صد القوة التنفيذية التي انشأتها حماس بقوة أمنية اضافية، وقد كان ذلك هو احد بنود اتفاق مكة.. ويقول ابو مازن: ((اقمت مؤخراً غرفة عمليات مشتركة تضم الجميع بدون استثناء. وبدأنا في اجراء تغييرات في اجهزة الامن لتمكينها من القيام بدورها بشكل كفؤ، الا ان المخطط المعد سلفاً والذي توافقت عليه قيادة حماس في الداخل والخارج مع بعض اطراف اقليمية كان اسبق من محاولاتنا لتجنيب الوطن الكارثة والمأساة)).

واقعياً حاول ابو مازن دمج القوة التنفيذية في اجهزة الامن، وتقول معلومات مؤكدة انه واجه اعتراضات شديدة من قيادات في حركة فتح، بسبب موافقته على ادراج عناصر القوة التنفيذية ضمن القوة الامنية للسلطة، ولكنه وكما قال: ((كنت اتجاوز بعض احكام القانون، لكي اسد الذرائع وأمنع التوتر الذي يولد الانفجار)).

ولكن السؤال هو: كيف ولماذا انشأت حماس هذه الميليشيا، واضافت عبئاً حالياً على الاوضاع الاقتصادية المتدهورة؟ ولماذا لجأت الى انشاء ((أمن مواز).. ولايقوم على اعتمادها على كتائب عز الدين القسام.

في ابريل/نيسان 2006 اعلن وزير الداخلية الفلسطيني سعيد صيام ، التابع لحماس إنشاء هذه القوة، زاعماً أنها أقيمت لدعم قوات الأمن.. واعتبر هو تلك القوات انها ((غير مهيأة مهنياً وسياسياً للقيام بواجباتها)).. فيما يعتبر منه إبعاداً للسلطة الأمنية القائمة.

وكان واضحاً ان حماس ترغب في أن تضع غطاء قانونياً على كتائب القسام، بخلاف عناصر أخرى، لكي تجعل منها قوة أمنية شرعية.. وبعد ان كانت الكتائب تقوم بأعمال المقاومة.. وتريد حماس منها أن تقوم على تنفيذ برنامجها السياسي المتطرف في غزة.

تولى ((أبو عبيدة الجراح)) وهو قائد عسكري من حماس، قيادة هذه القوة، وشكلها بالأساس من الجناح العسكري لحماس، ومنع دخولها على عنصر تنظيم الجهاد أو فتح، وادعت حماس ان هذه القوة التنفيذية تضم إلى جانب عناصرها حصصاً من تنظيمات أخرى وقالت ان عددها لا يزيد على 6 آلاف عنصر، في حين ان التقديرات الحقيقية تراها بما يزيد على ثلاثة أضعاف ذلك.. وضمت حماس أيضاً إلى تلك القوة عدداً من الفقراء والعاطلين الباحثين عن عمل والراغبين في الحصول على 400 دولار في الشهر.

بصورة أو أخرى، لم تتمكن حماس من نشر قوتها التنفيذية في الضفة، ومن ثم بقيت مقصورة على غزة، أولاً لقوة فتح في الضفة، وثانياً لأن إسرائيل لم تسمح لها بهذا هناك.. وان أتاحت لها ذلك في غزة.

وقد حصلت عناصر من هذه القوة على تدريبات في إيران، وهناك تقارير مؤكدة حول وجود دعم مالي من طهران لهذا الجيش الإضافي الذي أنشأته حماس.. وبما يؤكد انه كانت هناك استعدادات وترتيبات للقتال الآتي.. أو الحرب الأهلية.. أو للدقة الانقلاب.. أو كما يسميها الفلسطينيون ((الواقعة السودة)).

في البداية حاولت حماس أن تبني سمعة طيبة لصالح القوة التنفيذية من خلال بسط سيطرتها على الشارع، ومنع الجرائم التي تقض أمن المواطن الفلسطيني، ووصل الأمر إلى حد أن بعض الفلسطينيين كانوا يطلبون رقم القوة التنفيذية طلباً للنجدة.. بدلاً من أن يطلبوا الشرطة العادية.. لكن هذه الصورة الذهنية لم تقو على الصمود لأكثر من سبب.

أولاً لأن اشتباكات كانون الثاني/يناير 2007 بين فتح وحماس أظهرت تورط القوة التنفيذية في الصراع، وثانياً لأن القوة التنفيذية لم تستطع أن تفرض سطوتها على عصابات الإجرام المختلفة.. التي كانت تتواطأ مع بعضها.. وثالثاً لأنها لم تكن ترغب في أن تحدث صداماً مع قطاعات في المجتمع، لا سيما بعض العائلات التي تقوم بدور ما في الانقلاب الأمني.

ويقول تقرير للمجموعة الدولية للأزمات ان عناصر من كتائب عزالدين القسام كانت تقوم بإصدار أحكام عشوائية، وتنفذ القانون بيدها في الشارع – على طريقة طالبان – ثم وقبل الانقلاب –– وبعد ذلك وفي هدوء وصمت تدفع تعويضاً للضحايا وعائلاتهم وهو ما يطرح سؤالاً عما إذا كانت حماس تفقد السيطرة على رجالها أم أنها ترعاهم سراً؟ على حد قول التقرير. وحين يتضرر الناس كانت حماس تنكر علاقتها بهؤلاء الأشخاص

فيما بعد صدور هذا التقرير بأشهر قامت عناصر من حماس بأفعال أكثر بشاعة، وأمام الكاميرات، وأذيع ذلك على محطة تلفزيون تابعة لها، وبالطبع لم يتم دفع تعويضات.. ولا تم الاعتذار عن ذلك.



تنظيم القاعدة

على الأرض، وفي سياق آخر، كانت هناك أمور أخرى تتبلور، سواء على مستوى نشوء أفكار وإرهاصات تنظيم القاعدة، أو على مستوى التشيع، أو على مستوى الصراع داخل حماس ذاتها.

أطراف كثيرة كانت ترى ان استمرار بقاء الوضع على ما هو عليه في الملف الفلسطيني وغياب الفعل المقاوم وانجرار حماس وراء بقائها في الحكومة سوف يفرض عليها معطيات جديدة في الملف الفلسطيني قد تدفع نحو صعود معين لخطاب القاعدة.

ما تم رصده من قبل المراقبين في الفترة الأخيرة أثبت ان هناك عشرات، بل مئات من الشبان قاموا بممارسة أعمال عبثية تحت شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استسلاماً لخطاب السلفية الجهادية في طبعته القاعدية، بل وربما أكثر تطرفاً نظراً لأنهم هاجموا مدارس مختلطة ومحلات فيديو ومقاهي انترنت مقارنة بممارسات القاعدة في الجزائر التي ركزت على مهاجمة الأجانب فقط وتحديداً الأميركيين، وفي هذا السياق برز اسم الجيش الإسلامي الذي أعلن احتجازه للصحافي البريطاني مراسل الـ((bbc)) واشترط للإفراج عنه الإفراج عنه ((أبي قتادة)) الموجود في السجون البريطانية، بالإضافة إلى فدية 2 مليون دولار، تطورت إلى 5 ملايين دولار، بالإضافة إلى 50 دونم أرض بما يعادل 12 فداناً ونصف فدان طلبوها من اسماعيل هنية.

الأمر المثير ان هذه المظاهر لم تقتصر على قطاع غزة، بل تعدته للضفة الغربية، وهناك دلائل ان إسرائيل رصدت في السجون الإسرائيلية ان شباناً في حماس والجهاد، بل وحتى فتح يتحركون في إطار هذا الفكر وألقت القبض على خلية كانت على وشك التحرك تحت هذا الشعار في الضفة الغربية، وإذا كان عدد من المراقبين يدعو لعدم المبالغة في توثيق الظاهرة حتى الآن، فأنا لا أقلل من أهميتها ومستقبل حضورها في حال توافر الظروف الموضوعية.. وهذه الظروف تبلورت الآن من خلال سيطرة حماس على غزة.. وقيامها هي نفسها بأفعال مماثلة في الانقلاب الأخير.

إن بروز شباب إسلاميين عدد كبير منهم من عناصر حماس يتبنون نهجاً مغايراً يعزز ظاهرة الانقلاب في الساحة الفلسطينية سيزيد من مأزق حماس، وبالتالي يسهم في زيادة التشهير والتحريض على حماس من داخل الحركة الإسلامية نفسها، وهذا ما مارسه أيمن الظواهري خلال شهرين أكثر من مرة عندما شن هجوماً على حماس بدعوى بيعها للقضية الفلسطينية وقد تردد صدى هذا بصورة أو بأخرى داخل الأراضي الفلسطينية، وربما يكون ذلك أحد الدوافع وراء ما فعلته حماس مؤخراً لكي ترد عن نفسها تهمة الظواهري.

إن حجم التعبئة الجهادية في الساحة الفلسطينية ترك آثاره على الساحتين العربية والإسلامية، ولكنه لم يكن ينسجم بأي حال من الأحوال مع التحولات الجديدة وما يتعلق بخطاب حماس العلني بعد اتفاق مكة في الوقت الذي تدخل فيه يومياً إلى المساجد جحافل من الشباب الفلسطيني الجدد الذين لم يقبلوا بالأوضاع الحالية في العراق وأفغانستان ووجدوا من جانبهم ان حماس تردد خطاباً مائعاً في نقطة هي الأكثر أهمية وحيوية بالنسبة للعالم الإسلامي، وهي فلسطين.

وبالتالي أرى ان حماس استشعرت خطورة انتشار فكر القاعدة وقامت بانقلابها، خوفاً من الخلايا النائمة للقاعدة.. وسعيها للسيطرة على الشارع الفلسطيني بقدر رغبتها في إقصاء فتح من الساحة.



هجوم التشيع

في المقابل كانت هناك موجة مد شيعي في الأراضي الفلسطينية.. لعبت بدورها في التأثير على الساحة.

هناك عناصر كثيرة ينتمون أصلاً إلى حركة الجهاد تشيعوا.. وقد أعلن في مايو 2006 أي بعد حكم حماس بشهرين عن تشكيل مجلس شيعي أعلى في الأراضي الفلسطينية، وبعدها بحوالى أسبوع تم التراجع عن هذا الكلام.. والقصة أنه شخص أفاق أعلن ان هناك مجلساً شيعياً وأنه سيرأسه.. بعد ان رصدت عديد من الدول أن إيران وبعض الدول تقوم ببذل جهود كبيرة لنشر المذهب الشيعي في عدد من الدول.. والتشيع انتشر في فلسطين في الفترة الأخيرة لانخداع كثير من الفلسطينيين بثورة الخميني بسبب خطابها الثوري الذي رافقه نشر الدعاية للمذهب الشيعي أولاً.. وثانياً بسبب دعم إيران لبعض الاحزاب والفصائل الفلسطينية على رأسها حركة الجهاد وما نتج عنه من تشيع عدد من قادتها وأفرادها بخلاف انبهار كبير بتجربة حزب الله الشيعي في لبنان بالإضافة إلى نشاط حزب الله نفسه في المخيمات الفلسطينية.

تأثر حركة الجهاد بالشيعة يعود لبدايتها، لأن ((فتحي الشقاقي)) أول مؤسسي الحركة وأول أمين عام لها كان من المتأثرين بالشيعة والثورة الإيرانية وكان يعيش في طهران طوال الوقت تقريباً.

مؤسسو حركة الجهاد كانوا متعاطفين مع الثورة الخمينية مثل عبد العزيز عودة وأسعد التميمي الذي تبرأ آخر حياته من الشيعة، كما أكد أولاده، ولكن كل ذلك انعكس على استراتيجية الحركة التي اعتبرت التحالف مع الثورة الإيرانية ركيزة أساسية في استراتيجيتها.

والفترة التي قضاها بعض قادة الحركة في ((مرج الزهور)) في لبنان كانت فترة حاسمة لأن حدثت جلسات مطولة بينهم وبين ناشطين من حزب الله ونتج عنها تبني بعض قادة حركة الجهاد الإسلامي لمبادىء التشيع وعملوا بشكل منتظم ولكن لم يظهر ذلك إلا مع بداية انتفاضة عام 2000 حين أسس بعض قادة حركة الجهاد عدة مؤسسات في بيت لحم مثل اتحاد الشباب الإسلامي، وأنشأوا ((مستوصف الإحسان الخيري)) و((مستوصف السبيل)) و((مركز الدوحة الجراحي)) و((مدرسة النقاء)) و((مركز النقاء النبوي)) بالإضافة لفتح دور قرآن كريم في المساجد وتقديم دعم مالي للطلاب واعتماد رواتب شهرية للمنتسبين واشتروا مبنى في بيت لحم بقيمة 300 ألف دولار.

يتبع

ناجي ابو لحيه
16-Sep-2007, 02:40 PM
ظاهرة التشيع داخل حركة الجهاد انعكست على علاقتها بحماس، فإذا كانت حماس تبدي قلقها من التشيع لكن علاقتهم بإيران دفعتهم إلى عدم الإعلان عن ذلك عند تشكيل الحكومة الأولى، والتي كان بها محمود الزهار وسعيد صيام وزيرين وبدأوا يخرجون نتيجة تضييق عليهم من الدوائر القريبة ومن بعض الأطراف التي كانوا يظنون ان علاقتهم بها طيبة.

وأهم المتشيعين داخل الأراضي الفلسطينية هو نافذ عزام المتحدث باسم الجهاد في قطاع غزة وهو متشيع وسجن في مصر قبل ذلك. و((محمد شحادة)) من مواليد بيت لحم وأحد قادة حركة الجهاد وأحد مبعدي مرج الزهور وتأثر بمجاهدي الحرس الثوري وتعهد في مقابلة مع مجلة ((المنبر الشيعي)) المتطرفة بنشر المذهب الشيعي في فلسطين وهو يمارس الدعوى الآن في بيت لحم ورشح نفسه في انتخابات 2006 رغم مقاطعة حركة الجهاد للانتخابات. أما الأهم فهو محمد عبد الفتاح خواتمة وهو رئيس المجلس الشيعي الأعلى الذي أعلنه وتراجع عنه وكان متأثراً باحتكاكه بعناصر حزب الله في المعتقلات الإسرائيلية وهو مقيم في مخيم في رام الله ويؤكد انه يخطط لبناء مسجد شيعي في رام الله ويعترف بوجود علاقات قوية بين المتشيعين الفلسطينيين و((المعتصم زكي)) وهو عضو سابق في حزب التحرير، بالإضافة للدكتور أسعد القاسم.

وبسبب اعتماد حماس على إيران وسوريا، برزت نقطة ضعف في موقفها من نشر التشيع في فلسطين، إذ عندما فرض عليهم الحصار ولجأت لإيران كان ذلك بمثابة ضوء أخضر لبعض العناصر في انها – أي حماس – موافقة نسبياً على التشيع رغم أن بينهم وبين الشيعة ما صنع الحداد.

وبسبب الاعتماد على إيران وسوريا وكون جماعة الإخوان المسلمين في الأصل تتبنى نوعاً من التساهل تجاه العقيدة الشيعية، حيث كان مؤسسها ((حسن البنا)) من الناشطين في لجنة التقريب بين السنة والشيعة، وتمثلت بعض مظاهر التساهل في مشاركة عناصر من المكتب السياسي لحماس في طقوس عاشوراء التي أقامها حزب الله في لبنان.. وتصريحات قادة حماس بالتحالف الاستراتيجي مع إيران.. بالإضافة إلى تصريح ((عماد العلمي)) ممثل حماس السابق في طهران وعضو المكتب السياسي.. وتصريح اسماعيل هنية الأخير في ديسمبر 2006 بالثناء الدائم من قيادات حماس على حزب الله وتأثر ممثل حماس في لبنان وطهران ((أسامة حمدان)) بالمذهب الشيعي لدرجة ان هناك من يقولون انه كاد يصبح ((شيعي معمم)) ووصف ((خالد مشعل)) لحركة حماس في طهران بأنها الابن الروحي للإمام الخميني.



صراعات داخلية

ان هذا لا يبتعد بنا عن الملف الأصلي، ولكنه في عمق مضمونه، ذلك أنه يكشف عن ان حماس مستعدة للتضحية المذهبية وللمبادىء العقيدية التي تقوم عليها، في مقابل تحالف يؤدي بها إلى قنص السلطة.. الساعية دوماً لها.. فلماذا كانت مستعدة لذلك.. فما بالك بقبولها بمنطق الاقتتال مع الأشقاء.. بل والوصول إلى صيغ سرية مع إسرائيل ليس هدفها تحرير الأرض وإنما الحفاظ على البقاء في ((لا سلطة)) ربحتها بعد الانقلاب.

عموماً، لا ينبغي تجاهل عامل إضافي في تحليل الأوضاع المختلفة التي قادت للانقلاب.. وفيما بينها وجود تجاذبات وصراعات داخل حماس نفسها.. بين قيادات الخارج خالد مشعل ومن معه في دمشق، وقيادات الداخل ((سعيد صيام، محمود الزهار، أحمد الجعبري)).. وفيما بين هؤلاء وأولئك مواقف متشابكة.. إذ لا يعني الأمر ان هناك توافقات كاملة بين قيادات الداخل.. على حدة.. وقيادات الخارج على حدة.. وذات مرة قال أحمد جبر نائب قائد كتائب القسام بإبلاغ سعيد صيام أنه لا يتلقى أوامر منه، مشيراً إلى وجود سلطة أعلى في سوريا.. وفي كثير من الأحيان كانت جهود التهدئة تصل إلى نقطة مثمرة مع السياسيين.. فيأتي المقاتلون ويتعمدون إحراجهم.

ويقول تقرير دولي: إن الانقسامات موجودة داخل حركة حماس.. وهناك حساسيات داخل الحركة تستند إلى الجغرافية والايديولوجية والعضوية في الحكومة والفرع السياسي أو الجناح العسكري، وبالنسبة للتأثير النسبي الناجم عن المقومات الأساسية لحركة حماس فهو يتزايد ويتناقص على مدى السنوات تبعاً للظروف المتغيرة، وعلى سبيل المثال تعرض قادة الحركة الأكثر بروزاً في الضفة الغربية مثل ((جمال منصور)) و((جمال سليم)) في عام 2001 إما إلى الاغتيال من قبل إسرائيل.. أو كما هو الحال لدى عدد كبير من زملائهم الآخرين، إلى السجن على يد إسرائيل أيضاً منذ عام 2002 وهو الأمر الذي يساعد حزئياً على تفسير اخفاق الذين جاؤوا من بعدهم في دفع زملائهم في المراكز القيادية الاخرى على تغيير آرائهم تجاه مشاركتهم في الانتخابات التشريعية التي تمت في 2006.

وبشكل مماثل، فان اعمال القتل التي قامت بها اسرائيل ما بين اعوام 2002 – 2004 حين تم اغتيال مؤسس وزعيم حركة حماس الشيخ احمد ياسين واربعة من القادة الاكثر نفوذاً في غزة وهم عبدالعزيز الرنتيسي واسماعيل ابو شنب وابراهيم مقادمه وصلاح شحادة عملت وبدرجة كبيرة على زيادة نفوذ القيادة في المنفى وعلى وجه الخصوص خالد مشعل الذي كان يمر بهبوط نسبي في اعقاب اطلاق سراح الشيخ ياسين من السجون الاسرائيلية في 1997.

وبالنسبة للدور القيادي الذي لعبته كتائب القسام خلال سيطرة حركة حماس منذ العام 2000 عملياتها القتالية المتنوعة فانه منحها – أي كتائب القسام – الصوت الاعلى، ويمكن ان ينطبق مثل هذا القول على الافراد داخل السجون الاسرائيلية الذين زادت اعدادهم بأشكال مضاعفة في السنوات الاخيرة ولم يكن صدفة ان يكون احد الموقعين على وثيقة ((مبادرة السجناء)) في مايو 2006 وهو عبدالخالق النتشة احد السجناء وأحد القادة العسكريين والذي منحته خليفته درجة من الصدقية لا تتوافر لدى العديد من الآخرين داخل الحركة، مما جعل من الصعب بالنسبة لاولئك الافراد الذين يقللون من قيمة هذا الامر ان يرفضوا تلك الوثيقة او ان يقوموا بشجبه لتوقيعه عليها دون حصوله على موافقة مسبقة من الحركة.

وعمل تنصيب رئيس الوزراء التابع لحركة حماس والوزارة على خلق موقع قوة جديد خارج الهياكل الرسمية للحركة والتي لديها النصيب الاكبر في نجاح الحكومة والتي يتطلب من بقية الحركة ان تأخذ ذلك في الاعتبار، وبشكل لا يماثل حركة فتح التي تولى كبار قادتها، 0بما في ذلك عرفات وعباس) المناصب العليا في السلطة الفلسطينية حيث عملت بهذا التصرف على التشويش على الخط الفاصل بين الحركة والحكومة، بقي قادة حركة حماس في دمشق، حتى انهم لم يكونوا اعضاء في المجلس التشريعي، وهو مر مختلف للكثيرين من اعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح خلال الاعوام التي امتدت من 1996 الى 2006، وقد تولى أكبر قطب سياسي في حركة حماس داخل الاراضي المحتلة وهو محمود الزهار حقيبة وزارة الخارجية وليس رئاسة الوزراء، وللمضي قدماً في توطيد ذلك التميز قام اعضاء الحركة الذين تبوؤا المناصب العليا في السلطة الفلسطينية بعزل انفسهم عن المناصب الكبرى في الحركة بطريقة غير مباشرة، ((فهم بقوا اعضاء في حركة حماس وقاموا بالمساهمة في مناقشاتها الداخلية، الا انك لا تستطيع على سبيل المثال، ان تكون وزيراً في السلطة الفلسطينية وفي الوقت نفسه تظل عضواً في المجلس التشريعي (او مجلس الشورى) او عضواً في المكتب السياسي)).

هناك تفسيرات مختلفة لذلك ومن بينها ان حركة (حماس) تتفهم ان الحكومة تتعرض لضغوطات مختلفة وقد تكون بحاجة الى اصدار قرارات ربما تكون مختلفة عن قرارات الحركة)).

والنتيجة الطبيعية لذلك هو انه حينما يقع تضارب في المصالح، يجب ان يتم اعفاء حركة حماس من المسؤولية عن سياسات السلطة الفلسطينية والتي تتناقض مع مبادئها الاساسية، واينما كان ذلك غير ممكن فان مصالح الحركة هي التي سوف تسود على مصالح الحكومة وفي كافة الاحوال، وبناء عليه، كان اصرار حماس على سبيل المثال، على الا تشارك في اية حكومة تقوم بالاعتراف باسرائيل بشكل صريح.

ان هذا هو ما ينقلنا الى احدى اهم خصائص حركة حماس التي تبدو فيها متأثرة بالشيعة.. وهي التقية.. او اخفاء ما تؤمن به.. وإظهار غيره وتوزيع الادوار.. والتبرؤ من التعهدات.. وهو ركن اساسي في عقيدة الحركة.. فضلاً عن الركن الثاني الاكثر اهمية وهو انها اقصائية.. أي لا تقبل شريكاً ولا ترى غير ذاتها.

وفي هذا الاطار فان الرئيس ابو مازن اعتبر ان الصراع ليس بين فتح وحماس، ولكنه بين مشروع وطني ومشروع ميليشيات.. بين مشروع الوطن الواحد.. وبين مشروع الامارة او الدويلة.

والمتتبع لتفكير حماس سوف يكتشف انه امام ايديولوجية اخوانية، تؤمن ان فلسطين هي ارض وقف اسلامي. وكل ما يقومون به هو التمكين لان الله سيمكن لهم في الارض، وانهم سيؤسسون دولة اسلامية وانهم سيحررون في النهاية القدس.. وقد اعتبرت وصولها الى السلطة بمثابة تمكين من الله لها في الارض.. وهو كلام ردده محمود الزهار.

ومن ثم فان الحمساوي اذا ما اتخذ قراراً بالقتال ضد أي شخص ولو كان فلسطينياً يقول: ((دعني ادخل به الجنة)).. وبالتالي كل من ليس حمساوياً هو كافر ومرتد.

ويمثل الحماسيون في اطار ذلك تياراً ((اخوانياً – سلفياً – جهادياً – تكفيرياً)) في مزيج خضع لتأثيرات متنوعة وأنتج الحالة التي نحن بصددها.



فشل الاتفاق

في هذه البيئة كان من الطبيعي ان يفشل اتفاق مكة الذي جاء مبسطاً اكثر مما ينبعي، وغير تفصيلي وغير قائم على فهم دقيق لكل ابعاد الصورة. وقد فشل الاتفاق لعدة اسباب اخرى.

كل فصيل له استراتيجيته الخاصة، الامر الذي ادى الى عدم توافر الثقة بين فتح وحماس، ولم يتم الاتفاق على شكل المقاومة والشراكة السياسية او الاتفاق السياسي او الخطاب السياسي في الاتفاق المشار اليه.

كما ان المشكلة في جانب كبير منها ايديولوجي، اذ ترغب حماس في ان تكون قائداً للشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير في ضوء ما حصلت عليه في انتخابات كانون الثاني/يناير، فضلاً عن انها لا تستطيع تغيير موقفها في الاتفاقات المبرمة مع السلطة الفلسطينية، لأن موقفها سوف يتزعزع لدى انصارها ومؤيديها، وبالتالي اتفاق مكة لم يحل مشاكل متعلقة باعادة هيكلة الاجهزة الامنية، فضلاً عن الحصار الدولي والفقر والبطالة، مما ادى الى زيادة تعقيد الوضع، كما ان حماس لم تكن معنية بتطوير ونجاح اتفاق مكة بسبب حساباتها الخارجية والعلاقات العقائدية خاصة علاقتها بإيران، فضلاً عن فقدانها للسيطرة على بعض مجموعاتها العسكرية.

كل ذلك انعكس سلباً على حكومة الوحدة، وتم استغلال ما يحدث على الساحة الفلسطينية من جانب اسرائيل للايحاء بأن الفلسطينيين لا يستحقون حكم انفسهم، وانهم هم الذين اوصلوا الامور الى هذا المنعطف الاخير، الأمر الذي يراه البعض يخدم مخططات الادارة الاميركية واسرائيل وايران، وربما سوريا لعدم حدوث استقرار على الساحة الفلسطينية.

هكذا وبعد عدة عمليات تصعيد اعلامي بدأ القتال.. وحين ضربت حماس في المقار الامنية وجدت بها موظفين لهم سنة ونصف السنة.. متعبين وتقول تقديرات ان حماس ربما اعطت بعض الناس مالاً.. ونجحت حماس في السيطرة على جميع اجزاء القطاع بما في ذلك المقار الامنية التابعة للسلطة بعدد قتلى 600 قتيل و1500 جريح في اربعة او خمسة ايام.

كتائب عز الدين القسام اتبعت ثلاث مراحل في السيطرة على القطاع، بدأت في السيطرة على المناطق الشمالية ذات النفوذ الفتحاوي التي بها المقار الامنية بيت لاهيا وبيت حانون عند المعبر وفيها مقر الاستخبارات ثم اتجهت للجنوب على رفح والامن الوطني وحين دخلوا على مقر الامن الوطني شرد منه 52 شخصاً دخلوا الحدود المصرية.

وتفاعلت عوامل الموظفين المتعبين والقيادات غير الموجودة وأوامر عدم الرد الصادرة من ابو مازن.. ما ادى الى تراجعات رهيبة.

وتمادت حماس في غيها وحين وجدت ان الضربات البسيطة ادت الى نتائج كبيرة.. وكمثال سقط 70 قتيلاً في الامن الوقائي. ثم دخل من المزارع 150 فرداً بالهاونات وألـ((آر بي جي)) واستخدموا استراتيجية هجومية ضد مقار الامن الوقائي ومبنى الاستخبارات وقامت حماس بالسيطرة من خلال إمطار المقار الامنية بوابل كثيف من الصواريخ الهاون والقسام لاقتحامها، ولكن المذهل ان بعض القادة الميدانيين المحسوبين على السلطة وعلى فتح قاموا بتسليم المقار الى قوات حماس دون قتال، ولوحظ امتناع قوات الحرس الرئاسي عن دخول المعركة، في دائرة نصف قطرها 8 كلم داخل القطاع (منتدى الرئاسة) ويذكر في هذا السياق ان هناك اربع مناطق في غزة تنسب الى السلطة مباشرة وهي: مقر الاستخبارات في منطقة (السودانية) في الشمال والامن الوقائي في منطقة تل الهوا والمنتدى الرئاسي ومعسكر انصار.. وامتنعت الرئاسة ممثلة في عباس عن اصدار اية تعلميات بالهجوم لقواتها ما ادى لسقوطها تحت القصف العنيف لحركة حماس، وجاء قرار عباس باعلان حالة الطوارىء في وقت متأخر جداً كانت الامور انتقلت فيه لحركة حماس وسادت القطاع حالة من السرقة والنهب للمقار الامنية من قبل الجمهور العادي، حتى ان ميداليات الرئيس عرفات التي نهبت كانت تباع في الشوارع بـ 50 شيكل.

ومن تحليل الاوضاع يبدو ان حماس رتبت اوضاعها للسيطرة على الاوضاع الامنية بما في ذلك ارغام العائلات لتعليماتها، وهناك سعي لابرام صفقة مع ((دوغمش)) قائد الجيش الاسلامي للإفراج عن الصحافي الانكليزي آلان جونستون.

واثارت حركة حماس قدراً بالغاً من الدموية في التعامل مع خصومها، فضلاً عن تبني خطاب ديني تكفيري اقصائي، الامر الذي يثير الرعب حالياً في نفوس اهل القطاع غير المستعدين لمواجهة حماس المنقلبة على السلطة.

ويقول ابو مازن واصفاً ما جرى: لقد هاجمت جماعات الانقلابيين مراكز الامن الوطني والاستخبارات والامن الوقائي والحرس الرئاسي وارتكبت من الاعمال والفظائع التي لا تمت بصلة الى تراثنا وتقاليدنا من قتل وإعدامات في الشوارع، وإلقاء المناضلين من اسطح الابراج، ثم عملت على ممارسة النهب بأوسع اشكاله للمؤسسات والمقار الامنية ولمراكز مؤسسات اهلية، ولدور العبادة المسيحية، حتى الكنائس لم تفلت من ايديهم، نهبت وحرقت كنيسة في غزة، نهبت وحرقت وهي من اقدم الكنائس في فلسطين، وهي قبل وجودنا في فلسطين كانت هناك كنائس ومسيحيون موجودون اخوان لنا، الآن نكتشف انهم اعداؤنا ويجب عليهم ان يرحلوا ولذلك يحصل ما يحصل في كنائسهم، وهذا اقل ما يقال عنه انه عار على الشعب الفلسطيني، عار على من ارتكب. عار على الانقلابيين عار على القتلة، ولبيوت المئات من كوادر السلطة والمواطنين الآمنين، ولرموز السيادة الوطنية بما فيها مقر الرئاسة وغيرها من المواقع، بعد ان احتلوا الرئاسة ودمروها ونهبوها.

وأضاف: من اجل ماذا جرى ذلك كله وباسم أي دين، حاشا الله ان يكون باسم الدين، الدين بريء من كل افعال واعمال هؤلاء، لان الدين الاسلامي يدعو الى التسامح ويدعو الى الحرية، هذا ليس الاسلام، هذا غريب على الاسلام وهذا بعيد عن الاسلام.. هذا الاسلام بريء منه، أي قضية او مذهب وقع هذا ضد غزة الباسلة الشجاعة والصامدة، لا شيء سوى لتحقيق حلم مريض وأهوج في إقامة إمارة الظلام والتخلف، والسيطرة بقوة الحديد والنار على حياة وفكر ومستقبل مليون ونصف مليون من ابناء شعبنا العظيم في غزة.