ساجد لله
14-Sep-2007, 05:22 PM
بفضل القران الكريم كانت علوم الامة
بفضل القرآن الكريم، كانت علوم العربية
القرآن الكريم كتاب مشعّ تنطلق منه كلّ العلوم ؛ لتعود إليه لتفسّره ! " فالدراسات العربية نشأت بفروعها المختلفة ، متعلقة بالقرآن الكريم ، كتاب الله العزيز ، فكأن القرآن هو المحور الذي دارت حوله تلك الدراسات المختلفة ، سواء فيها تلك الدراسات التي تتعلق تعلقاً مباشراً بتفسير القرآن ، وتوضيح آياته ، وتبيين معناه ، واستنباط أحكام الشريعة منه ، أو تلك التي تخدم هذه الأغراض جميعها، بالبحث في دلالة اللفظ ، واشتقاق الصيغ ، وتركيب الجمل ، والأسلوب والصور الكلامية ، واختلافها باختلاف المقام ، حتى تل الدراسات التي تتعلق بالرسم الإملائي ، والفلك ، والرياضة ، واستكناه أسرار
الطبيعة . كل هذه الدراسات قامت أساساً ؛ لخدمة الدين الإسلامي ، ولغرض فهم القرآن الكريم ، مصدر التشريع الإسلامي ، ودستور المسلمين " ( ) .
واللغة العربية " لم تصر لغة عالمية حقّاً ـ كما يقول نولدكه ـ : إلا بسبب القرآن والإسلام ؛ إذ تحت قيادة قريش ، فتح البدو سكان الصحراء ، نصف العالم لهم وللإيمان ؛ وبهذا صارت العربية لغة
مقدسة كذلك " ( ) ؛ فأجهد العلماء أنفسهم في دراستها ، واستكناه أسرارها ؛ ليقفوا على مواطن الإعجاز في كتاب الله العزيز ( ) .
ولا شكّ أنّ الحفاظ على كتاب الله ـ تعالى ـ ودينه كان السبب القوي لنشأة الدراسات اللغوية عند العرب ، بعد أنْ نشأ الاختلاط بين العرب و العجم إثر الفتوحات الإسلامية ، وخيف على الإسلام وكتابه من أثر
ذلك ؛
وقد برزت نتيجة لذلك فروع الدراسات اللغوية ، والتي يعدّ أهم مجالاتها ما يلي ـ وبإيجاز ـ :
أ- المعاجم العربية :
حيث ذهبت طائفة من العلماء إلى البادية ؛ لأخذ اللغة من الأعراب الفصحاء ، وتدوينها صافية ، لم تشبها شوائب العجمة التي بدأت في الدخول إليها من الأقطار المفتوحة . ومن العلماء الأجلاء الذين
أبلوا بلاء حسناً
في ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي ، والأصمعي ، ويونس بن حبيب الضبّي ، وأبو زيد الأنصاري وغيرهم ( ) .
في الوقت الذي أخذ الناس في الصدر الأول للإسلام ، يسألون كبار الصحابة عن تفسير بعض آيات القرآن الكريم ، وغريب ألفاظه .
وتحدثنا الروايات الإسلامية عن الصحابي المشهور " عبد الله بن عباس " بأنه كان يُسأل عن معنى ألفاظ معينة من القرآن الكريم ، فيفسرها للناس ، ويستشهد على تفسيرها بأبيات من الشعر العربي.
وبذلك يمكننا أنْ نعدّ تفسير بن عباس للقرآن ، على هذا النحو ، نواة للمعاجم العربية ( ).
ب- الأدب العربي :
لقد شعر العلماء منذ الصدر الأول للإسلام بحاجتهم إلى الشعر العربي ؛ للاستعانة به في فتح مغاليق الألفاظ والأساليب الغريبة الموجودة في القرآن الكريم ، والأحاديث النبوية الشريفة ؛ فأكبوا عليه يروونه
ويحفظونه ويدرسون
أساليبه ومعانيه وما يدور فيه من ذكر لأيام العرب ووقائعهم . ولولا هذا الباعث الديني ؛ لاندثر الشعر الجاهلي ، ولم يصل إلينا منه شيء ( ) .
يقرّر هذه الحقيقة أبو حاتم الرازي ؛ فيقول : " ولولا ما بالناس من الحاجة إلى معرفة لغة العرب ، والاستعانة بالشعر على العلم بغريب القرآن ، وأحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ،
والصحابة والتابعين ، والأئمة الماضين ؛ لبطل الشعر ، وانقرض ذكر الشعراء ، ولعفى الدهر على آثارهم ، ونسي الناس أيامهم " ( ) .
ويقول ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ : " إذا سألتموني عن غريب القرآن ، فالتمسوه في الشعر ؛ فإن الشعر ديوان العرب " ( ) .
ج- علوم القراءات وعلم الأصوات :
من المعلوم أنّ موضوع علوم القراءات : بيان الوجوه التي قرئت بها آي الذكر الحكيم ، وقد ظلت موضوعات هذه البحوث يأخذها الناس عن القرّاء عن طريق التلقين ، حتى جاء العصر العباسي ،
فعكف العلماء على تدوينها ، وضبط قواعدها ، ونقد أسانيدها فقطعوا بها شوطاً كبيراً في سبيل الكمال ( ) .
وللقراءات أهمية خاصة ؛ حيث حفظت لنا أصوات اللغة العربية عبر أربعة عشر قرناً ؛ حتى لتمثل ـ في
معظمها ـ النطق العربيّ الأصيل ؛ ومن هذا المنطلق أمكن تحديد معالم الصوتيات العربية ، ومناهجها ونتائجها ،
فيما يعرف لدى المحدثين باسم " الفوناتيك " ( ) .
د- النحو والصرف :
ولو نظرنا إلى النحو العربي ، لوجدنا أنّ الغيرة على القرآن الكريم ، وصونه من التحريف على ألسنة الأعاجم ؛ كان السبب في وضع قواعده .
وتروي لنا الأخبار أنّ أبا الأسود الدؤلي ، كان أول من وضع النحو ، وأنّ السبب في ذلك أنه سمع قارئاً
يقرأ : { .. أنّ الله بريء من المشركين ورسوله } ( ) ، بكسر اللام من : " رسوله " ؛ فغضب لذلك ؛ وكان هذا حافزاً له على وضع مبادئ النحو ( ) .
ه- علوم البلاغة :
أمّا دراسة الأسلوب ، أو ما عرف عند العلماء فيما بعد ، بعلوم البلاغة ، وهي علوم البيان والمعاني والبديع ، فتذكر المصادر العربية ، أنّ أبا عبيد معمر بن المثنى ، كان من أوائل من ألّف فيها ، وغايته
توضيح الأساليب القرآنية ( ) .
فيروى أنّ الفضل بن سهل أرسل في طلب أبي عبيدة من البصرة ، فلما قدم عليه سأله عن قوله تعالى : { طلعها كأنه رؤوس الشياطين } . وقال له : " إنما يقع الوعد والإيعاد (
يعني في القرآن الكريم ) بما قد عرف مثله ،
وهذا لم يعرف " . فقال له أبو عبيدة : " إنما كلّم الله ـ تعالى ـ العرب على قدر كلامهم ؛ أما سمعت قول امرئ القيس :
أيقتلني والمشرفيّ مُضاجعي
ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ؟ ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوْعدوا به . فاستحسن الفضل ذلك " . وقد قال
أبو عبيدة بعد ذلك : " وعزمت من ذلك اليوم أنْ أضع كتاباً في القرآن الكريم ، في مثل هذا وأشباهه ، وما يحتاج إليه من علمه ، فلما رجعت إلى البصرة ، عملت كتابي الذي سمّيته : المجاز "
( ) .
و- الكتابة العربية ( الضبط والإعجام ) :
وللخليل بن أحمد الفراهيدي جهد معلم في شكل الحروف على نمطها المتعارف الآن ؛ إذْ أنّ الخط العربي كان في صدر الإسلام خلواً من الشكل والإعجام ، فجاء أبو الأسود الدؤلي ليجعل النقط ضبطاً
للحروف ، فعلامة الفتحة نقطة فوق الحرف ، وعلامة الكسرة نقطة تحته ، وعلامة الضمة نقطة وسطه ، وجعل التنوين نقطتين . ثم جاء نصر بن عاصم ، فأعاد النظر إلى الخط بتوجيه من الحجاج بن
يوسف فأشار بنقط الإعجام بعد أنْ كانت الحروف كلها مهملة ؛ فوضع نقطة تحت الباء ، ونقطتين تحت الياء ، وواحدة فوق النون ، واثنتين فوق التاء ، وثلاثة فوق الثاء وهكذا ... فاختلط نقط الشكل
بنقط الإعجام ، ووقع الناشئون والكبار أحياناً في لبس مما يقرءون ، ولكن الله ـ عز وجل ـ هدى الخليل بن أحمد إلى أنْ يميّز بين الشكل والإعجام ؛ فجعل النقط للإعجام وحده ، أما الشكل فوضع له ما
نعرفه الآن من علامات الفتحة ، والضمّة ، والكسرة ، والسكون ، والشدّة للمضعف ، والشرطتين للتنوين ، وجعل للهمزة رأس عين " ء " ، فكان مجموع ما تم له وضعه ثماني علامات ، هي :
الفتحة والكسرة والضمة والسكون والشدة والهمزة والصلة حرف : صـ " والمدّة . وترك كتاباً يتضمن ذلك فلم يزد أحد عمّا فعل .. ( )
ومع أنّ الخليل بن أحمد ، قد وضع هذا الشكل المريح ، فإنّ العلماء غبروا زمناً طويلاً ، لا يجرءون على استخدامه في ضبط النص القرآني ، ويفضلون عليه النقط اتباعاً للسلف ، ويسمون ضبط الخليل
شكل الشعر ؛ وكل ذلك لصيانة القرآن الكريم ، عن أنْ يتعاوره المتعاورون بالتبديل والتغيير ( ) .
يقول أبو عمرو الداني : " وترك استعمال شكل الشعر ، وهو الشكل الذي في الكتب ، الذي اخترعه الخليل ، في المصاحف الجامعة من الأمهات وغيرها ، أولى وأحقّ ؛ اقتداء بمن ابتدأ النقط من
التابعين ، واتباعاً للأئمة السالفين " ( ) .
وهكذا نرى أنّ القرآن الكريم ، كان محوراً لجميع الدراسات العربية ، التي قامت في الأساس لخدمته ، ومن بينها الدراسات اللغوية ، ولولاه لاندثرت اللغة العربية الفصحى ، وأصبحت لغة أثرية ، تشبه
اللاتينية أو السنسكريتية التي حلت محلها الهندية ( ) .
ولله در ابن خلدون ؛ حيث قال في مقدمته : " تختلف لغة العرب لعهدنا ، مع لغة مضر ، إلا أنّ العناية بلسان مضر من أجل الشريعة كما قلنا ، حمل على ذلك الاستنباط والاستقراء ، وليس عندنا لهذا
العهد ما يحملنا على مثل ذلك ، ويدعونا إليه " ( )
بفضل القرآن الكريم، كانت علوم العربية
القرآن الكريم كتاب مشعّ تنطلق منه كلّ العلوم ؛ لتعود إليه لتفسّره ! " فالدراسات العربية نشأت بفروعها المختلفة ، متعلقة بالقرآن الكريم ، كتاب الله العزيز ، فكأن القرآن هو المحور الذي دارت حوله تلك الدراسات المختلفة ، سواء فيها تلك الدراسات التي تتعلق تعلقاً مباشراً بتفسير القرآن ، وتوضيح آياته ، وتبيين معناه ، واستنباط أحكام الشريعة منه ، أو تلك التي تخدم هذه الأغراض جميعها، بالبحث في دلالة اللفظ ، واشتقاق الصيغ ، وتركيب الجمل ، والأسلوب والصور الكلامية ، واختلافها باختلاف المقام ، حتى تل الدراسات التي تتعلق بالرسم الإملائي ، والفلك ، والرياضة ، واستكناه أسرار
الطبيعة . كل هذه الدراسات قامت أساساً ؛ لخدمة الدين الإسلامي ، ولغرض فهم القرآن الكريم ، مصدر التشريع الإسلامي ، ودستور المسلمين " ( ) .
واللغة العربية " لم تصر لغة عالمية حقّاً ـ كما يقول نولدكه ـ : إلا بسبب القرآن والإسلام ؛ إذ تحت قيادة قريش ، فتح البدو سكان الصحراء ، نصف العالم لهم وللإيمان ؛ وبهذا صارت العربية لغة
مقدسة كذلك " ( ) ؛ فأجهد العلماء أنفسهم في دراستها ، واستكناه أسرارها ؛ ليقفوا على مواطن الإعجاز في كتاب الله العزيز ( ) .
ولا شكّ أنّ الحفاظ على كتاب الله ـ تعالى ـ ودينه كان السبب القوي لنشأة الدراسات اللغوية عند العرب ، بعد أنْ نشأ الاختلاط بين العرب و العجم إثر الفتوحات الإسلامية ، وخيف على الإسلام وكتابه من أثر
ذلك ؛
وقد برزت نتيجة لذلك فروع الدراسات اللغوية ، والتي يعدّ أهم مجالاتها ما يلي ـ وبإيجاز ـ :
أ- المعاجم العربية :
حيث ذهبت طائفة من العلماء إلى البادية ؛ لأخذ اللغة من الأعراب الفصحاء ، وتدوينها صافية ، لم تشبها شوائب العجمة التي بدأت في الدخول إليها من الأقطار المفتوحة . ومن العلماء الأجلاء الذين
أبلوا بلاء حسناً
في ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي ، والأصمعي ، ويونس بن حبيب الضبّي ، وأبو زيد الأنصاري وغيرهم ( ) .
في الوقت الذي أخذ الناس في الصدر الأول للإسلام ، يسألون كبار الصحابة عن تفسير بعض آيات القرآن الكريم ، وغريب ألفاظه .
وتحدثنا الروايات الإسلامية عن الصحابي المشهور " عبد الله بن عباس " بأنه كان يُسأل عن معنى ألفاظ معينة من القرآن الكريم ، فيفسرها للناس ، ويستشهد على تفسيرها بأبيات من الشعر العربي.
وبذلك يمكننا أنْ نعدّ تفسير بن عباس للقرآن ، على هذا النحو ، نواة للمعاجم العربية ( ).
ب- الأدب العربي :
لقد شعر العلماء منذ الصدر الأول للإسلام بحاجتهم إلى الشعر العربي ؛ للاستعانة به في فتح مغاليق الألفاظ والأساليب الغريبة الموجودة في القرآن الكريم ، والأحاديث النبوية الشريفة ؛ فأكبوا عليه يروونه
ويحفظونه ويدرسون
أساليبه ومعانيه وما يدور فيه من ذكر لأيام العرب ووقائعهم . ولولا هذا الباعث الديني ؛ لاندثر الشعر الجاهلي ، ولم يصل إلينا منه شيء ( ) .
يقرّر هذه الحقيقة أبو حاتم الرازي ؛ فيقول : " ولولا ما بالناس من الحاجة إلى معرفة لغة العرب ، والاستعانة بالشعر على العلم بغريب القرآن ، وأحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ،
والصحابة والتابعين ، والأئمة الماضين ؛ لبطل الشعر ، وانقرض ذكر الشعراء ، ولعفى الدهر على آثارهم ، ونسي الناس أيامهم " ( ) .
ويقول ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ : " إذا سألتموني عن غريب القرآن ، فالتمسوه في الشعر ؛ فإن الشعر ديوان العرب " ( ) .
ج- علوم القراءات وعلم الأصوات :
من المعلوم أنّ موضوع علوم القراءات : بيان الوجوه التي قرئت بها آي الذكر الحكيم ، وقد ظلت موضوعات هذه البحوث يأخذها الناس عن القرّاء عن طريق التلقين ، حتى جاء العصر العباسي ،
فعكف العلماء على تدوينها ، وضبط قواعدها ، ونقد أسانيدها فقطعوا بها شوطاً كبيراً في سبيل الكمال ( ) .
وللقراءات أهمية خاصة ؛ حيث حفظت لنا أصوات اللغة العربية عبر أربعة عشر قرناً ؛ حتى لتمثل ـ في
معظمها ـ النطق العربيّ الأصيل ؛ ومن هذا المنطلق أمكن تحديد معالم الصوتيات العربية ، ومناهجها ونتائجها ،
فيما يعرف لدى المحدثين باسم " الفوناتيك " ( ) .
د- النحو والصرف :
ولو نظرنا إلى النحو العربي ، لوجدنا أنّ الغيرة على القرآن الكريم ، وصونه من التحريف على ألسنة الأعاجم ؛ كان السبب في وضع قواعده .
وتروي لنا الأخبار أنّ أبا الأسود الدؤلي ، كان أول من وضع النحو ، وأنّ السبب في ذلك أنه سمع قارئاً
يقرأ : { .. أنّ الله بريء من المشركين ورسوله } ( ) ، بكسر اللام من : " رسوله " ؛ فغضب لذلك ؛ وكان هذا حافزاً له على وضع مبادئ النحو ( ) .
ه- علوم البلاغة :
أمّا دراسة الأسلوب ، أو ما عرف عند العلماء فيما بعد ، بعلوم البلاغة ، وهي علوم البيان والمعاني والبديع ، فتذكر المصادر العربية ، أنّ أبا عبيد معمر بن المثنى ، كان من أوائل من ألّف فيها ، وغايته
توضيح الأساليب القرآنية ( ) .
فيروى أنّ الفضل بن سهل أرسل في طلب أبي عبيدة من البصرة ، فلما قدم عليه سأله عن قوله تعالى : { طلعها كأنه رؤوس الشياطين } . وقال له : " إنما يقع الوعد والإيعاد (
يعني في القرآن الكريم ) بما قد عرف مثله ،
وهذا لم يعرف " . فقال له أبو عبيدة : " إنما كلّم الله ـ تعالى ـ العرب على قدر كلامهم ؛ أما سمعت قول امرئ القيس :
أيقتلني والمشرفيّ مُضاجعي
ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ؟ ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوْعدوا به . فاستحسن الفضل ذلك " . وقد قال
أبو عبيدة بعد ذلك : " وعزمت من ذلك اليوم أنْ أضع كتاباً في القرآن الكريم ، في مثل هذا وأشباهه ، وما يحتاج إليه من علمه ، فلما رجعت إلى البصرة ، عملت كتابي الذي سمّيته : المجاز "
( ) .
و- الكتابة العربية ( الضبط والإعجام ) :
وللخليل بن أحمد الفراهيدي جهد معلم في شكل الحروف على نمطها المتعارف الآن ؛ إذْ أنّ الخط العربي كان في صدر الإسلام خلواً من الشكل والإعجام ، فجاء أبو الأسود الدؤلي ليجعل النقط ضبطاً
للحروف ، فعلامة الفتحة نقطة فوق الحرف ، وعلامة الكسرة نقطة تحته ، وعلامة الضمة نقطة وسطه ، وجعل التنوين نقطتين . ثم جاء نصر بن عاصم ، فأعاد النظر إلى الخط بتوجيه من الحجاج بن
يوسف فأشار بنقط الإعجام بعد أنْ كانت الحروف كلها مهملة ؛ فوضع نقطة تحت الباء ، ونقطتين تحت الياء ، وواحدة فوق النون ، واثنتين فوق التاء ، وثلاثة فوق الثاء وهكذا ... فاختلط نقط الشكل
بنقط الإعجام ، ووقع الناشئون والكبار أحياناً في لبس مما يقرءون ، ولكن الله ـ عز وجل ـ هدى الخليل بن أحمد إلى أنْ يميّز بين الشكل والإعجام ؛ فجعل النقط للإعجام وحده ، أما الشكل فوضع له ما
نعرفه الآن من علامات الفتحة ، والضمّة ، والكسرة ، والسكون ، والشدّة للمضعف ، والشرطتين للتنوين ، وجعل للهمزة رأس عين " ء " ، فكان مجموع ما تم له وضعه ثماني علامات ، هي :
الفتحة والكسرة والضمة والسكون والشدة والهمزة والصلة حرف : صـ " والمدّة . وترك كتاباً يتضمن ذلك فلم يزد أحد عمّا فعل .. ( )
ومع أنّ الخليل بن أحمد ، قد وضع هذا الشكل المريح ، فإنّ العلماء غبروا زمناً طويلاً ، لا يجرءون على استخدامه في ضبط النص القرآني ، ويفضلون عليه النقط اتباعاً للسلف ، ويسمون ضبط الخليل
شكل الشعر ؛ وكل ذلك لصيانة القرآن الكريم ، عن أنْ يتعاوره المتعاورون بالتبديل والتغيير ( ) .
يقول أبو عمرو الداني : " وترك استعمال شكل الشعر ، وهو الشكل الذي في الكتب ، الذي اخترعه الخليل ، في المصاحف الجامعة من الأمهات وغيرها ، أولى وأحقّ ؛ اقتداء بمن ابتدأ النقط من
التابعين ، واتباعاً للأئمة السالفين " ( ) .
وهكذا نرى أنّ القرآن الكريم ، كان محوراً لجميع الدراسات العربية ، التي قامت في الأساس لخدمته ، ومن بينها الدراسات اللغوية ، ولولاه لاندثرت اللغة العربية الفصحى ، وأصبحت لغة أثرية ، تشبه
اللاتينية أو السنسكريتية التي حلت محلها الهندية ( ) .
ولله در ابن خلدون ؛ حيث قال في مقدمته : " تختلف لغة العرب لعهدنا ، مع لغة مضر ، إلا أنّ العناية بلسان مضر من أجل الشريعة كما قلنا ، حمل على ذلك الاستنباط والاستقراء ، وليس عندنا لهذا
العهد ما يحملنا على مثل ذلك ، ويدعونا إليه " ( )