ناجي ابو لحيه
16-Dec-2008, 12:22 PM
\"فتح\" والمسيحيين،
لم يتحدث أحد عن "فتح" والمسيحيين، لأنهم يعلمون أن التربية الوطنية السياسية الفتحوية تعتمد المواطنة والانتماء الوطني لا الطائفة أو الدين، وإنما كلّ الحديث الذي يواجه كوادر "فتح" خاصة من الطلاب يدور على "فتح" والدين الإسلامي وكأنما مطلوب من كل مسلم يوميا أن يقدم فاتورة دينية أمام مدعي النيابة عن الله في الأرض، في خلط عجيب بين البناء الروحي والتربية السياسية ،أو كأنما مطلوب من كل مسلم فتحوي أن يقدم كشف حساب لأصحاب الفتوى من الجهلة المعممين وغير المعممين الذين يطلقون الأحكام والاتهامات جزافا فهذا مسلم وهذا مرتد وذالك كافر لتشتعل آلة الحقد المجنون رصاصا وإلقاء من أعالي البنايات وأرجل مثقوبة ورؤوس مهشمة وصلت لأكثر من 450 جريمة ضد الإنسانية في قطاع غزة، والقائمون عليها من مدعي الإسلام الذين لا يفقهون للحظة مدى حرمة الدم عند الله سبحانه وتعالى.
1- فتح والعقل
"فتح" لا تحتاج للدفاع عن نفسها أبدا أمام الذين يخلطون الزيت بالخل فيجعلون من الدين وقود السياسة، ويجعلون من الحرام والحلال طعام السياسيين ولا يميزون بين العقل والإيمان ولا يستطيعون أن يروا الدين هاديا ومرشدا للفكرة لا متحكما ومتسلطا على العقل، فالله سبحانه وتعالى الذين خلق الخلق ترك لهم حرية الخيار يفعلون ما يشاؤون بمنحة العقل، وأنزل لهم القران هاديا ومرشدا -لمن شاء- واعد لهم جنة ونارا، ولم يوكل عنه أحدا ليكون هاديا ومرشدا نيابة عنه فينزع المنحة من الناس، وهذا ما تدركه "فتح" وتعمل به.
أو كما يقال أن الحقيقة التي يغفلها النصيّون (10) هي أن القران لم يأت بديلا عن العقل بقدر ما جاء هاديا له ومرشد ا، فمثل العقل والقرآن كمثل البصر والضياء فلا العين يمكنها أن تبصر دون ضياء، ولا الضياء قادر على أن يجعل الأعمى بصيرا، وهذا يعنى أن العقل والنص يتكاملان من أجل خدمة الإنسان والتخلي عن أحدهما هو تخلي عنهما معا.
ان رجال ونساء "فتح" فرسان العقل في الحضارة العربية الإسلامية وأصحاب التربية السياسية التعددية الديمقراطية لا يقيمون وزنا لاتهامات الرجعية والزندقة والردة والعلمانية لان الأفواه ذاتها التي تكيل الشتائم والاتهامات هي ذاتها التي كانت تشتم (الوطنية) و(القومية) و(الديمقراطية) ثم عندما لمع في رأسها نور الفهم تبنتها وقبلتها -ربما ليس كليا، وربما تكتيكيا ريثما تنقلب على هذه المفاهيم- فلم تعد "فتح" كافرة بعد ذلك ؟
2- "فتح" وعلمانية الإسلام
ان كانت حركة "فتح" حركة علمانية فهي علمانية الدين الإسلامي كما قال المفكر العربي الفتحوي الكبير خالد الحسن، بمعنى التي رفضت الظلامية والتقديس للأشخاص والتكفير كما رفضت انتزاع السلطة بالدماء بدعوى الحق المطلق يتفجر من عيون من عبدوا الأشخاص والحزب أو أجّروا عقولهم لأصحاب أعراس المثاقب تنخر عظام الأبرياء من أبناء غزة الأبطال.
لم تقل "فتح" يوما إنها ذات أيديولوجية مطلقا، ولم تقل أنها تشكل حزبا سلطويا، يعشق الكراسي ويتغنى بالألقاب، كما لم تتبنى طرحا مجتمعيا علمانيا رغم الكثير مما يقال بهذا الشأن، وإنما قالت بالثورية كما قالت بالديمقراطية –وكفى- الديمقراطية التي خشيها الإسلامويون (المتحزبون) وكفروها ثم تبنوها، وقالت بالمجتمع المدني الذي خشية الاسلامويون وكفروه ثم تبنوه، وقالت بحقوق الإنسان وحقوق المرأة التي رفضها الاسلامويون باعتبارها نتاج الغرب الكافر ثم تبناها بعضهم إلى الدرجة التي طالبوا فيها بقيام دولة علمانية في فلسطين كما قال عضو قيادة الإخوان المسلمين في مصر عبد المنعم أبو الفتوح.
3- "فتح" وطلاب السلطة
قال لي صديق خرج من المعتقل حديثا أن بعض قيادات حركة "حماس" يتجنبون التعاون مع حركة "فتح" في المعتقل ويتقربون من اليسار-وكما هو الحال في الجامعات أيضا- ، فلما سأله صديقنا وهو من أحد أحزاب اليسار لم تفعلون ذلك وأنتم أقرب إليهم-أي إلى فتح- فكريا قال له: أنتم لا تنازعوننا السلطة وهم من ينازعنا لأنهم قريبون من الدين ؟!
لذلك نرى سلاسة التفاوض بين الإسرائيليين وحركة "حماس" تلك التي تجري خفية على قدم وساق، ومن خلال الإعلان العلني المتكرر المتمثل بالغزل الممزوج بالاستجداء اليومي لوقف إطلاق النار من قبلهم مربوطا بهدنة مجانية لعشرات السنين، دون أي تحرك مقابل لإنهاء الانقلاب الدموي في غزة كمنطلق لمصالحة الأخوة الذي ما فتأت "فتح" تطالب به.
ان حركة "فتح" حركة الشعب الفلسطيني العربي المسلم والمسيحي، وهي نتاج تاريخ وتراث هذه الأمة العربية الإسلامية باسهاماتها المسيحية الشرقية، وهي بذلك تبث الرعب دوما في قلوب مدعي احتكار الإسلام لأنها تضرب مثلا لا يستطيعون مجاراته في التسامح والمحبة والوحدة الوطنية، والعدالة الاجتماعية التي هي حقيقة الدين الحنيف الذي لا يقبل انكماشه في حزب أو شخص.
رابعا: حركة فتح وحماس
حركة "فتح" التي حملت مشعل الثورة في زمن انحطاط الأمة وبعد انكساراتها المتكررة في الأعوام (1948، 1956، 1967) أعادت الأمل للشعب الفلسطيني وبعثت شخصيته وشكلت كيانه ورفعت اسمه عاليا من خلال كوفية الختيار التي زنّرت الكرة الأرضية حتى اليوم، ليس لعظمة في قادتها وعلى رأسهم النجم العالمي ياسر عرفات أو في حركتها فقط، وإنما لعظمة هذا الشعب الذي رأى فيها السبيل للخلاص فأسس لها القيادة، وهفا لها قلبه، ولا يعني ذلك تفاخرا أو تبخترا أبدا فلا عصمة ولا قداسة ولا مطلقية ولاصواب دائم في العمل السياسي، لأن أي انحراف في "فتح" سيواجه بقوة من هذا الشعب –ربما قبل أعضاء "فتح"- الذي وثق بها وجعلها عنوان فلسطين، لإن الشعب الفلسطيني كما ظل يردد المرحوم أبوعمار يسبق قياداته دوما.
1- "فتح" أخطأت لكنها أنجزت
وحركة "فتح" التي عملت وأخطأت وهي تجهد نفسها في مراكمة الانتصارات منذ العام 1957 حيث النشأة ومنذ العام 1965 حيث الرصاصة الأولى التي أرعبت المنطقة الساكنة، ألقت بانطلاقة الثورة الفلسطينية حجرا في مستنقع الأحزاب الميتة مثل البعث والقوميين والشيوعيين والاخوان المسلمين وحزب التحرير ذات الشعارات الطبلية الطنانة والزمرية الرنانة، التي لا تغني ولا تسمن من جوع، فكانت "فتح" أفضل من غيرها الذي قعد عن القتال أو حتى مجرد التفكير به، مستبدلين ذلك باتهامات للحركة مازالت متواصلة، كما هو شأن الإخوان المسلمين في فلسطين (الذين أصبحوا حركة حماس منذ العام 1987)، وكما يقول مسؤول الإخوان المسلمين في قطاع غزة سابقا د. عبد الله أبو عزة في كتابه (مع الحركة الإسلامية في الدول العربية ص 163): (إن فتح أخطأت وهي تبادر وتعمل، وإذا كانت أخفقت في الوصول إلى الهدف -تحرير كامل فلسطين- فقد حققت عددا من الإنجازات تحسب لها بالتقدير والثناء وذلك من حيث القدرة على التنظيم، والقدرة على التحرك وسط الظروف المعقدة، كذلك يحتسب لفتح تمكنها من تعبئة قوى الشعب الفلسطيني وإنشاء عديد من المؤسسات التي أعادت للشعب الفلسطيني إحساسه بذاته، وفرضت قدرا من إحساس الآخرين بهذه الذاتية الفلسطينية).
2- "فتح" أفسحت المجلس
و"فتح" الديمقراطية لم تضيق المجلس بل أفسحته لغيرها رغم أنه ظن نفسه بديلا عنها وعن منظمة التحرير الفلسطينية فتصرف بعد الانتخابات وفق ذلك، فجاء ليكرس عقلية الإقصاء والانقلاب والاتهام للآخرين وتنزيه الذات في خطابات احتفالية لأناس غير مؤهلين سياسيا، بلا مضمون سياسي وبتحريض على الآخر وتحشيد الأحقاد ضده.
وكما أثبتت الأحداث أمام كل من ألقي السمع وهو شهيد ، ونستعير من نقد إسلامي للحركات الاسلاموية الحزبية ما ينطبق على حركة "حماس" ما يقال: (فقد لا نجافي الحقيقة كثيرا إذا قلنا أن الكثير من مواقعنا –يقصد مواقع الاسلامويين- في مجال الإعلام وغيره يحتلها أصحاب الولاء والانتماء والتحزب وفي أحسن الأحوال أهل الحماس، ويفتقد فيها أهل الاختصاص والأهلية.... يكثر فيها الخطباء ويغيب عنها الفقهاء ....).
3-الاعلام الاسلاموي
ويضيف أن (الكثير من المؤسسات الإعلامية التي ترفع الشعار الإسلامي لا تزال تفتقد الكوادر البشرية المسلمة المتخصصة المدربة ....... كما أن خطابها في معظمه لا يزال داخليا لم تستطع أن تصل به إلى مرحلة الخطاب العام والعالمي) ولكم أن تقارنوا ذلك مع إعلام وخطاب حركة حماس كمثال صاخب؟!
ويضيف أيضا أنها لم تستطع أن (تحمل هموم الجماهير، وتقدم لهم الرؤية الإسلامية لحل مشكلاتهم، حيث استغرقت في الماضي ومشكلاته)، وقال أنهم يمسكون عن (النقد والتقويم والمراجعة لأسباب واهية موهومة)
الإسلامية-كما يسميها هو- التي (تمثل الأحادية الضيقة التي تتوهم إنها اكتشفت الحقيقة المطلقة كلها ............. فتتحزب لها وتنغلق عليها وتلغي حق غيرها في النظر، كما تحول دون الاستفادة من جهود الآخرين) ما (يورث الفشل والإحباط ثم التخاذل الفكري والشلل التربوي والانتحار الروحي والهروب إلى عوالم الوهم والخرافة .....) هذا ما يتحفنا به منصف من المفكرين الاسلاميين ما يثري رأينا الذي نعرضه لكم حول الخطاب السياسي لـ"حماس" اللهاث وراء السلطة وتدمير إرث "فتح"، إرث فلسطين فيما يلي.
خامسا: خطاب المأزق
لماذا نكرس التعرض لحركة "حماس" الحزب السياسي المغلق فكريا –لنقل في تيار متنفذ فيها- في حديثنا بمناسبة ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية و"فتح"؟ نقول لأن "فتح" صعود الفكرة وانتصار التنظيم الجماهيري تجلت من خلال الجماهير التي أظهرت التفافها حول الشرعية والأصل بالاستنهاض المليوني في ذكرى وفاة الخالد ياسر عرفات بعد أن أزالت الخوف من عصابات البغض والقتل والتنويم المغناطيسي من قلوبها، فتكرست الحركة منهج حياة وفلسفة لكل الناس لذا وجب علينا لمحو أي تأثير سلبي مستمر أن نبسط لهذه الجماهير -وخاصة الكتلة الحائرة فيها- أزموية "حماس" وتنظيمها وقادتها وخطابها في تعبير دائم عن احترامنا لهذه الجماهير من جهة، ومن خلال إظهار توضيح أدوار الآخرين التخريبية حيث تتكالب القوى العدوة والاقليمية والمحلية على "فتح" كما تتكالب الأكلة على قصعتها.
1-حركة "حماس" باغتها الفوز فجاءها على حين غرة جعلها تقف فرحة ثم مشدوهة ثم عاجزة عن استيعاب ما حصل ومن ثم عن استيعاب ضرورة التغيير للخطاب وفقا لتكاليف السلطة واستحقاقاتها.
2- ولم تستطع أن ترسم خطاً واضحاً بين موقفها كمعارضة في السابق وبين تسلمها لزمام السلطة كحكومة فوقعت في مجموعة من المآزق والأزمات استهانت بها في البداية وقللت من أمرها في إطار نشوة النصر والعنفوان المرافق لها، وفي إطار الإيمان بأن الله معهم.
3- وحاولت التغطية على عجزها هذا بإلقاء المسؤولية على الآخرين في الداخل والخارج من خلال عقلية غيبية تستمطر اللعنات على المخالفين، وتعد الأنصار بالنصر، وتطالب بدعم الحكومة والا فالتهديد والوعيد، لأن الثابتين على دينهم ينصرهم الله، والخونة أو الكفار هم الذين يحلمون أو يعملون على إسقاط الحكومة.
4- لم تستطع حركة "حماس" أن تخرج من نطاق الخطاب الحزبي الضيق إلى الخطاب الوطني إلا ما ندر، فألقت بضعفها في حل المشاكل على الناس، حين طالبتهم بالجوع وعدم الركوع وبدأت تجمع منهم الأموال ولما سيّرت القوافل لتجمع من خزائن الأمة وجدت مفاتيحها صدئة تفتح بصعوبة شديدة.
5- بدا خطاب "حماس" حزبياً صميما يدافع عن تماسك الحركة التي أغوتها السلطة وبهرتها إلى درجة التمسك بها بالأسنان والنواجذ، ورغبت من خلالها أن تحقق الشرعية الدستورية والسياسية بعد أن اعتقدت أنها حققت الشرعية القتالية و الميدانية عبر تصويرها للرأي العام أنها قامت بتحريرغزة.
6- وسعت بالتالي للسيطرة على القرار ومحاولة تلقف منظمة التحرير الفلسطينية وترؤسها بقوة الدفع الناتجة عن حجم الفوز لها، وحجم الكبوة التي وقعت بها "فتح".
7- لقد ظهر خطاب "حماس" قلقاً متوتراً في البداية، لذلك لجأ للأوهام ولجأ للغيبيات، ولجأت "حماس" لإنكار الواقع وابتعدت عن الرؤية السياسية التي تقدم الخبز للناس وتقدم الحل للمشكل الاقتصادي والمالي.
8- لقد حاولت "حماس" جاهدة –التحرك الخارجي المحموم، وحيناً آخر من خلال محاولة تجنيد الشارع والمساجد فنجحت في أمور وفشلت في أخرى.
9- ففي حين فشلت مسيرات الفرح بالجوع ورفض الركوع فإنها حصلت في المقابل على التفاف شعبي رغم سوء الحال إلى أن تصاعدت أصوات الجوعى بعد 4 شهور حالكة لتغطي على أصوات الاتهامات لهم بالغوغاء وتقر حقهم بالتظاهر، وكما جاء في وثيقة الوفاق الوطني المعدلة.
10- في إطار محاولة حركة "حماس" البحث عن مخرج، تخبطت كثيراً ووقعت في تناقض الصيحات العالية والمواقف والخطابات المغالية والمتناقضة ما كان بامتياز من حقوق حركة "فتح" فقط لتظهر حركة جديدة تتخطفها الأضواء وتلعب بها الفضائيات فتقع في المستنقع الذي وقع به سلفها التنظيم الذي اعتبر نفسه العمود الفقري للثورة.
11- لم يفد "حماس" الاستهانة بالشرعيات الثلاثة: الوطنية عبر منظمة التحرير الفلسطينية والعربية عبر قرارات الإجماع العربي والدولية عبر قرارات الأمم المتحدة بل أساءت كثيراً للعمل الوطني وعزلت نفسها والقضية والسلطة والشعب عن العالم الذي بدأ يتشدد في التعامل مع الحكومة الفلسطينية التي لم تفدها جولة وزير الشؤون الخارجية في فكفكة الحصار الخارجي.
12- إلى أن نجحت الحركة في تجاوز أزمتها الداخلية التي تأججت مع صدور وثيقة الأسرى وثيقة الوفاق الوطني بالاعتراف بالشرعيات الثلاث في المعدل من الوثيقة ما يحسب إيجابا لحركة "حماس".
13- إن سوء إدارة الأزمات كان من أهم الأسباب التي جعلت "حماس" تعيش في حيرة وتخبط أدى بها لاستخدام لغة الترغيب والترهيب لفظاً وعملاً، لفظاً عبر الخطاب الناري وعملاً عبر القوة التنفيذية.
14- لقد فشل خطاب "حماس" في استقطاب الجماهير غير المنظمة، ونجح في تحديد شكل المعسكرات من حولها، ومن حول "فتح"، ومن حول التنظيمات الأخرى، حتى تلك التي كان صوتها خافتاً مثل (حزب التحرير) و(السلفيين)، لأن تصاعد حدة الخطاب الديني قد حفز التنظيمات الدينية الأخرى لاستغلال المساجد والدفاع عن وجودها كما فعلت حركة "حماس" في استغلال المساجد.
15- في محاولة لإظهار نفسها كقوة متصاعدة سعت "حماس" لإضعاف القوى الأخرى وخاصة حركة "فتح" عبر الشكوى من الفساد وخلو الخزينة بأرقام متناقضة -رد عليها وزير المالية السابق (12) مفندا كافة الادعاءات- وعبر الاتهام بالفوضى، ولكن مقدرة حركة "فتح" على لملمة بيتها قد حد من هذه المحاولة ووضعها في سياق الخلاف الذي يجب أن يتعامل مع الحجوم على حقيقتها في الإطار الوطني والإقليمي والدولي.
16- ما يسجل نجاحاً لحركة "حماس" أيضاً أنها جذبت قطاعاً واسعاً من الشارع الفلسطيني والعربي خاصة وتزنّرت بدعم حركة الأخوان المسلمين لها –باعتبارها إطار حركة الإخوان المسلمين الفلسطينية – ما كان مؤثراً، هذا النجاح الذي تساوق مع الإيمان بنظرية المؤامرة على (الإسلاميين) التي ما زالت تشكل أحد أشكال الاستقطاب والتحليل السياسي في الوعي العربي والإسلامي وخاصة عند مناصري الاخوان المسلمين -منذ عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر- الذين لا يفهمون سبب النكبات والأزمات إلا بمنطق المؤامرة، وكيف لا ونحن خير أمة (حزب) أخرجت للناس؟!.
17- في الختام نقول أنه خيراً فعلت حركة "حماس" حينما وافقت على وثيقة الوفاق الوطني المعدلة رغم ما قد تثيره بعض البنود فيها لدى فئة متشددة فيها لا ترى السياسة إلا في لون واحد هو لونها فقط ما قد يمزق النسيج الذي يبدو مترابطا في الحركة التي تقف......على مفترق طرق صعب وبحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة تجنبها الاضمحلال أو التفتت.
* الانقلاب كحل للمأزق
إلا أن الصورة بالايجابيات والسلبيات المذكورة في دراستنا -المشار الى نتائجها أعلاه- عام 2006، سرعان ما تنقلب للون الأحمر فقط بعد الانقلاب الدموي العنيف لحركة "حماس" في غزة ضد السلطة (شهر يونيو2007) الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الثورات الفلسطينية منذ بداية القرن العشرين، والذي جاء حلا للاضمحلال أو التفتت وحلا لمأزقها القيمي والفكري وصراع السلطة فيها الداخلي والخارجي، والذي جعل من كل ما تخوفنا من حدوثه وتوقعناه حقيقة واقعة غطت على عيون منفذيها فأدمت القلوب، وغطت على عيون الحكماء فجعلوا من المتعصبين القتلة يقودونهم كالأنعام في طريق ربما لا يريدونه ولكن لا حول ولا قوة لهم. ونجمل القول بأن:
• "حماس" السياسة تخبط وزلل، و"فتح" السياسة ثبات بلا وجل.
• "فتح" السياسة قمر منير: فكرة واضحة، وثبات على المبادئ، و"حماس" السياسة خيل بلا رجلين: تخبط واستجداء للعدو وحرب على الشقيق.
• "حماس" السياسة فوضى سلاح وعدوان مستمر، و"فتح" السياسة استقرار نسبي ورفض لشروط العدو.
• "فتح" السياسة رأي يحتمل الصواب ويحتمل الخطأ، و"حماس" السياسة قول مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كما يدعون.
• "فتح" السياسة قادة إنسانيون من هذا الشعب المؤمن الصابر يصيبون ويخطئون، و"حماس" السياسة قادة ملائكة ربانيون-في كثير منهم- وأحيانا أنصاف أنبياء وصحابة-كما يدعون- لا يقولون إلا حقا، وما هو بالحق حيث يفتون بما لا يفقهون ويدمرون ويجهلون.
• "حماس" التنظيم تكالب على الدنيا والسلطة والجاه وتمييز للأتباع، و"فتح" تنظيم صاعد شبعان ريان من الدنيا والسلطة، وسعي حثيث لإرضاء الله، ولتحقيق الثوابت، ولخدمة الناس جميعا... جميعا، نعم جميعا دون تمييز ودون استثناء.
سادسا: الأجيال في حركة "فتح":
لو مر على تنظيم غير "فتح" من المشاكل والأزمات والمؤامرات التي مرت بها "فتح" لانشطر إلى ألف قطعة أو لخبت ناره، واندثر، ولكن شعلة حركة "فتح" ذات الضياء لا تنطفئ والآلاف ينضمون يوميا ليعلنوا الولاء لله و لفلسطين عبر الولاء لـ"فتح".
ولو كان في نيتنا التعرض لأزمات حركة "فتح" ومشاكلها ونقدها في ذكرى الانطلاقة العملاقة لفعلنا، لأننا لا نخشى في الحق لومة لائم ولا نخشى النقد والنقد الذاتي في "فتح"، كما لا نخاف المراجعة للمسيرة، والاعتراف بالأخطاء، تلك التي عندما تصدر عن الآخرين تعد منهم مقدسات وأحاديث نبوية أو مسلكيات شريفة لا يجوز المساس بها.
لم يتحدث أحد عن "فتح" والمسيحيين، لأنهم يعلمون أن التربية الوطنية السياسية الفتحوية تعتمد المواطنة والانتماء الوطني لا الطائفة أو الدين، وإنما كلّ الحديث الذي يواجه كوادر "فتح" خاصة من الطلاب يدور على "فتح" والدين الإسلامي وكأنما مطلوب من كل مسلم يوميا أن يقدم فاتورة دينية أمام مدعي النيابة عن الله في الأرض، في خلط عجيب بين البناء الروحي والتربية السياسية ،أو كأنما مطلوب من كل مسلم فتحوي أن يقدم كشف حساب لأصحاب الفتوى من الجهلة المعممين وغير المعممين الذين يطلقون الأحكام والاتهامات جزافا فهذا مسلم وهذا مرتد وذالك كافر لتشتعل آلة الحقد المجنون رصاصا وإلقاء من أعالي البنايات وأرجل مثقوبة ورؤوس مهشمة وصلت لأكثر من 450 جريمة ضد الإنسانية في قطاع غزة، والقائمون عليها من مدعي الإسلام الذين لا يفقهون للحظة مدى حرمة الدم عند الله سبحانه وتعالى.
1- فتح والعقل
"فتح" لا تحتاج للدفاع عن نفسها أبدا أمام الذين يخلطون الزيت بالخل فيجعلون من الدين وقود السياسة، ويجعلون من الحرام والحلال طعام السياسيين ولا يميزون بين العقل والإيمان ولا يستطيعون أن يروا الدين هاديا ومرشدا للفكرة لا متحكما ومتسلطا على العقل، فالله سبحانه وتعالى الذين خلق الخلق ترك لهم حرية الخيار يفعلون ما يشاؤون بمنحة العقل، وأنزل لهم القران هاديا ومرشدا -لمن شاء- واعد لهم جنة ونارا، ولم يوكل عنه أحدا ليكون هاديا ومرشدا نيابة عنه فينزع المنحة من الناس، وهذا ما تدركه "فتح" وتعمل به.
أو كما يقال أن الحقيقة التي يغفلها النصيّون (10) هي أن القران لم يأت بديلا عن العقل بقدر ما جاء هاديا له ومرشد ا، فمثل العقل والقرآن كمثل البصر والضياء فلا العين يمكنها أن تبصر دون ضياء، ولا الضياء قادر على أن يجعل الأعمى بصيرا، وهذا يعنى أن العقل والنص يتكاملان من أجل خدمة الإنسان والتخلي عن أحدهما هو تخلي عنهما معا.
ان رجال ونساء "فتح" فرسان العقل في الحضارة العربية الإسلامية وأصحاب التربية السياسية التعددية الديمقراطية لا يقيمون وزنا لاتهامات الرجعية والزندقة والردة والعلمانية لان الأفواه ذاتها التي تكيل الشتائم والاتهامات هي ذاتها التي كانت تشتم (الوطنية) و(القومية) و(الديمقراطية) ثم عندما لمع في رأسها نور الفهم تبنتها وقبلتها -ربما ليس كليا، وربما تكتيكيا ريثما تنقلب على هذه المفاهيم- فلم تعد "فتح" كافرة بعد ذلك ؟
2- "فتح" وعلمانية الإسلام
ان كانت حركة "فتح" حركة علمانية فهي علمانية الدين الإسلامي كما قال المفكر العربي الفتحوي الكبير خالد الحسن، بمعنى التي رفضت الظلامية والتقديس للأشخاص والتكفير كما رفضت انتزاع السلطة بالدماء بدعوى الحق المطلق يتفجر من عيون من عبدوا الأشخاص والحزب أو أجّروا عقولهم لأصحاب أعراس المثاقب تنخر عظام الأبرياء من أبناء غزة الأبطال.
لم تقل "فتح" يوما إنها ذات أيديولوجية مطلقا، ولم تقل أنها تشكل حزبا سلطويا، يعشق الكراسي ويتغنى بالألقاب، كما لم تتبنى طرحا مجتمعيا علمانيا رغم الكثير مما يقال بهذا الشأن، وإنما قالت بالثورية كما قالت بالديمقراطية –وكفى- الديمقراطية التي خشيها الإسلامويون (المتحزبون) وكفروها ثم تبنوها، وقالت بالمجتمع المدني الذي خشية الاسلامويون وكفروه ثم تبنوه، وقالت بحقوق الإنسان وحقوق المرأة التي رفضها الاسلامويون باعتبارها نتاج الغرب الكافر ثم تبناها بعضهم إلى الدرجة التي طالبوا فيها بقيام دولة علمانية في فلسطين كما قال عضو قيادة الإخوان المسلمين في مصر عبد المنعم أبو الفتوح.
3- "فتح" وطلاب السلطة
قال لي صديق خرج من المعتقل حديثا أن بعض قيادات حركة "حماس" يتجنبون التعاون مع حركة "فتح" في المعتقل ويتقربون من اليسار-وكما هو الحال في الجامعات أيضا- ، فلما سأله صديقنا وهو من أحد أحزاب اليسار لم تفعلون ذلك وأنتم أقرب إليهم-أي إلى فتح- فكريا قال له: أنتم لا تنازعوننا السلطة وهم من ينازعنا لأنهم قريبون من الدين ؟!
لذلك نرى سلاسة التفاوض بين الإسرائيليين وحركة "حماس" تلك التي تجري خفية على قدم وساق، ومن خلال الإعلان العلني المتكرر المتمثل بالغزل الممزوج بالاستجداء اليومي لوقف إطلاق النار من قبلهم مربوطا بهدنة مجانية لعشرات السنين، دون أي تحرك مقابل لإنهاء الانقلاب الدموي في غزة كمنطلق لمصالحة الأخوة الذي ما فتأت "فتح" تطالب به.
ان حركة "فتح" حركة الشعب الفلسطيني العربي المسلم والمسيحي، وهي نتاج تاريخ وتراث هذه الأمة العربية الإسلامية باسهاماتها المسيحية الشرقية، وهي بذلك تبث الرعب دوما في قلوب مدعي احتكار الإسلام لأنها تضرب مثلا لا يستطيعون مجاراته في التسامح والمحبة والوحدة الوطنية، والعدالة الاجتماعية التي هي حقيقة الدين الحنيف الذي لا يقبل انكماشه في حزب أو شخص.
رابعا: حركة فتح وحماس
حركة "فتح" التي حملت مشعل الثورة في زمن انحطاط الأمة وبعد انكساراتها المتكررة في الأعوام (1948، 1956، 1967) أعادت الأمل للشعب الفلسطيني وبعثت شخصيته وشكلت كيانه ورفعت اسمه عاليا من خلال كوفية الختيار التي زنّرت الكرة الأرضية حتى اليوم، ليس لعظمة في قادتها وعلى رأسهم النجم العالمي ياسر عرفات أو في حركتها فقط، وإنما لعظمة هذا الشعب الذي رأى فيها السبيل للخلاص فأسس لها القيادة، وهفا لها قلبه، ولا يعني ذلك تفاخرا أو تبخترا أبدا فلا عصمة ولا قداسة ولا مطلقية ولاصواب دائم في العمل السياسي، لأن أي انحراف في "فتح" سيواجه بقوة من هذا الشعب –ربما قبل أعضاء "فتح"- الذي وثق بها وجعلها عنوان فلسطين، لإن الشعب الفلسطيني كما ظل يردد المرحوم أبوعمار يسبق قياداته دوما.
1- "فتح" أخطأت لكنها أنجزت
وحركة "فتح" التي عملت وأخطأت وهي تجهد نفسها في مراكمة الانتصارات منذ العام 1957 حيث النشأة ومنذ العام 1965 حيث الرصاصة الأولى التي أرعبت المنطقة الساكنة، ألقت بانطلاقة الثورة الفلسطينية حجرا في مستنقع الأحزاب الميتة مثل البعث والقوميين والشيوعيين والاخوان المسلمين وحزب التحرير ذات الشعارات الطبلية الطنانة والزمرية الرنانة، التي لا تغني ولا تسمن من جوع، فكانت "فتح" أفضل من غيرها الذي قعد عن القتال أو حتى مجرد التفكير به، مستبدلين ذلك باتهامات للحركة مازالت متواصلة، كما هو شأن الإخوان المسلمين في فلسطين (الذين أصبحوا حركة حماس منذ العام 1987)، وكما يقول مسؤول الإخوان المسلمين في قطاع غزة سابقا د. عبد الله أبو عزة في كتابه (مع الحركة الإسلامية في الدول العربية ص 163): (إن فتح أخطأت وهي تبادر وتعمل، وإذا كانت أخفقت في الوصول إلى الهدف -تحرير كامل فلسطين- فقد حققت عددا من الإنجازات تحسب لها بالتقدير والثناء وذلك من حيث القدرة على التنظيم، والقدرة على التحرك وسط الظروف المعقدة، كذلك يحتسب لفتح تمكنها من تعبئة قوى الشعب الفلسطيني وإنشاء عديد من المؤسسات التي أعادت للشعب الفلسطيني إحساسه بذاته، وفرضت قدرا من إحساس الآخرين بهذه الذاتية الفلسطينية).
2- "فتح" أفسحت المجلس
و"فتح" الديمقراطية لم تضيق المجلس بل أفسحته لغيرها رغم أنه ظن نفسه بديلا عنها وعن منظمة التحرير الفلسطينية فتصرف بعد الانتخابات وفق ذلك، فجاء ليكرس عقلية الإقصاء والانقلاب والاتهام للآخرين وتنزيه الذات في خطابات احتفالية لأناس غير مؤهلين سياسيا، بلا مضمون سياسي وبتحريض على الآخر وتحشيد الأحقاد ضده.
وكما أثبتت الأحداث أمام كل من ألقي السمع وهو شهيد ، ونستعير من نقد إسلامي للحركات الاسلاموية الحزبية ما ينطبق على حركة "حماس" ما يقال: (فقد لا نجافي الحقيقة كثيرا إذا قلنا أن الكثير من مواقعنا –يقصد مواقع الاسلامويين- في مجال الإعلام وغيره يحتلها أصحاب الولاء والانتماء والتحزب وفي أحسن الأحوال أهل الحماس، ويفتقد فيها أهل الاختصاص والأهلية.... يكثر فيها الخطباء ويغيب عنها الفقهاء ....).
3-الاعلام الاسلاموي
ويضيف أن (الكثير من المؤسسات الإعلامية التي ترفع الشعار الإسلامي لا تزال تفتقد الكوادر البشرية المسلمة المتخصصة المدربة ....... كما أن خطابها في معظمه لا يزال داخليا لم تستطع أن تصل به إلى مرحلة الخطاب العام والعالمي) ولكم أن تقارنوا ذلك مع إعلام وخطاب حركة حماس كمثال صاخب؟!
ويضيف أيضا أنها لم تستطع أن (تحمل هموم الجماهير، وتقدم لهم الرؤية الإسلامية لحل مشكلاتهم، حيث استغرقت في الماضي ومشكلاته)، وقال أنهم يمسكون عن (النقد والتقويم والمراجعة لأسباب واهية موهومة)
الإسلامية-كما يسميها هو- التي (تمثل الأحادية الضيقة التي تتوهم إنها اكتشفت الحقيقة المطلقة كلها ............. فتتحزب لها وتنغلق عليها وتلغي حق غيرها في النظر، كما تحول دون الاستفادة من جهود الآخرين) ما (يورث الفشل والإحباط ثم التخاذل الفكري والشلل التربوي والانتحار الروحي والهروب إلى عوالم الوهم والخرافة .....) هذا ما يتحفنا به منصف من المفكرين الاسلاميين ما يثري رأينا الذي نعرضه لكم حول الخطاب السياسي لـ"حماس" اللهاث وراء السلطة وتدمير إرث "فتح"، إرث فلسطين فيما يلي.
خامسا: خطاب المأزق
لماذا نكرس التعرض لحركة "حماس" الحزب السياسي المغلق فكريا –لنقل في تيار متنفذ فيها- في حديثنا بمناسبة ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية و"فتح"؟ نقول لأن "فتح" صعود الفكرة وانتصار التنظيم الجماهيري تجلت من خلال الجماهير التي أظهرت التفافها حول الشرعية والأصل بالاستنهاض المليوني في ذكرى وفاة الخالد ياسر عرفات بعد أن أزالت الخوف من عصابات البغض والقتل والتنويم المغناطيسي من قلوبها، فتكرست الحركة منهج حياة وفلسفة لكل الناس لذا وجب علينا لمحو أي تأثير سلبي مستمر أن نبسط لهذه الجماهير -وخاصة الكتلة الحائرة فيها- أزموية "حماس" وتنظيمها وقادتها وخطابها في تعبير دائم عن احترامنا لهذه الجماهير من جهة، ومن خلال إظهار توضيح أدوار الآخرين التخريبية حيث تتكالب القوى العدوة والاقليمية والمحلية على "فتح" كما تتكالب الأكلة على قصعتها.
1-حركة "حماس" باغتها الفوز فجاءها على حين غرة جعلها تقف فرحة ثم مشدوهة ثم عاجزة عن استيعاب ما حصل ومن ثم عن استيعاب ضرورة التغيير للخطاب وفقا لتكاليف السلطة واستحقاقاتها.
2- ولم تستطع أن ترسم خطاً واضحاً بين موقفها كمعارضة في السابق وبين تسلمها لزمام السلطة كحكومة فوقعت في مجموعة من المآزق والأزمات استهانت بها في البداية وقللت من أمرها في إطار نشوة النصر والعنفوان المرافق لها، وفي إطار الإيمان بأن الله معهم.
3- وحاولت التغطية على عجزها هذا بإلقاء المسؤولية على الآخرين في الداخل والخارج من خلال عقلية غيبية تستمطر اللعنات على المخالفين، وتعد الأنصار بالنصر، وتطالب بدعم الحكومة والا فالتهديد والوعيد، لأن الثابتين على دينهم ينصرهم الله، والخونة أو الكفار هم الذين يحلمون أو يعملون على إسقاط الحكومة.
4- لم تستطع حركة "حماس" أن تخرج من نطاق الخطاب الحزبي الضيق إلى الخطاب الوطني إلا ما ندر، فألقت بضعفها في حل المشاكل على الناس، حين طالبتهم بالجوع وعدم الركوع وبدأت تجمع منهم الأموال ولما سيّرت القوافل لتجمع من خزائن الأمة وجدت مفاتيحها صدئة تفتح بصعوبة شديدة.
5- بدا خطاب "حماس" حزبياً صميما يدافع عن تماسك الحركة التي أغوتها السلطة وبهرتها إلى درجة التمسك بها بالأسنان والنواجذ، ورغبت من خلالها أن تحقق الشرعية الدستورية والسياسية بعد أن اعتقدت أنها حققت الشرعية القتالية و الميدانية عبر تصويرها للرأي العام أنها قامت بتحريرغزة.
6- وسعت بالتالي للسيطرة على القرار ومحاولة تلقف منظمة التحرير الفلسطينية وترؤسها بقوة الدفع الناتجة عن حجم الفوز لها، وحجم الكبوة التي وقعت بها "فتح".
7- لقد ظهر خطاب "حماس" قلقاً متوتراً في البداية، لذلك لجأ للأوهام ولجأ للغيبيات، ولجأت "حماس" لإنكار الواقع وابتعدت عن الرؤية السياسية التي تقدم الخبز للناس وتقدم الحل للمشكل الاقتصادي والمالي.
8- لقد حاولت "حماس" جاهدة –التحرك الخارجي المحموم، وحيناً آخر من خلال محاولة تجنيد الشارع والمساجد فنجحت في أمور وفشلت في أخرى.
9- ففي حين فشلت مسيرات الفرح بالجوع ورفض الركوع فإنها حصلت في المقابل على التفاف شعبي رغم سوء الحال إلى أن تصاعدت أصوات الجوعى بعد 4 شهور حالكة لتغطي على أصوات الاتهامات لهم بالغوغاء وتقر حقهم بالتظاهر، وكما جاء في وثيقة الوفاق الوطني المعدلة.
10- في إطار محاولة حركة "حماس" البحث عن مخرج، تخبطت كثيراً ووقعت في تناقض الصيحات العالية والمواقف والخطابات المغالية والمتناقضة ما كان بامتياز من حقوق حركة "فتح" فقط لتظهر حركة جديدة تتخطفها الأضواء وتلعب بها الفضائيات فتقع في المستنقع الذي وقع به سلفها التنظيم الذي اعتبر نفسه العمود الفقري للثورة.
11- لم يفد "حماس" الاستهانة بالشرعيات الثلاثة: الوطنية عبر منظمة التحرير الفلسطينية والعربية عبر قرارات الإجماع العربي والدولية عبر قرارات الأمم المتحدة بل أساءت كثيراً للعمل الوطني وعزلت نفسها والقضية والسلطة والشعب عن العالم الذي بدأ يتشدد في التعامل مع الحكومة الفلسطينية التي لم تفدها جولة وزير الشؤون الخارجية في فكفكة الحصار الخارجي.
12- إلى أن نجحت الحركة في تجاوز أزمتها الداخلية التي تأججت مع صدور وثيقة الأسرى وثيقة الوفاق الوطني بالاعتراف بالشرعيات الثلاث في المعدل من الوثيقة ما يحسب إيجابا لحركة "حماس".
13- إن سوء إدارة الأزمات كان من أهم الأسباب التي جعلت "حماس" تعيش في حيرة وتخبط أدى بها لاستخدام لغة الترغيب والترهيب لفظاً وعملاً، لفظاً عبر الخطاب الناري وعملاً عبر القوة التنفيذية.
14- لقد فشل خطاب "حماس" في استقطاب الجماهير غير المنظمة، ونجح في تحديد شكل المعسكرات من حولها، ومن حول "فتح"، ومن حول التنظيمات الأخرى، حتى تلك التي كان صوتها خافتاً مثل (حزب التحرير) و(السلفيين)، لأن تصاعد حدة الخطاب الديني قد حفز التنظيمات الدينية الأخرى لاستغلال المساجد والدفاع عن وجودها كما فعلت حركة "حماس" في استغلال المساجد.
15- في محاولة لإظهار نفسها كقوة متصاعدة سعت "حماس" لإضعاف القوى الأخرى وخاصة حركة "فتح" عبر الشكوى من الفساد وخلو الخزينة بأرقام متناقضة -رد عليها وزير المالية السابق (12) مفندا كافة الادعاءات- وعبر الاتهام بالفوضى، ولكن مقدرة حركة "فتح" على لملمة بيتها قد حد من هذه المحاولة ووضعها في سياق الخلاف الذي يجب أن يتعامل مع الحجوم على حقيقتها في الإطار الوطني والإقليمي والدولي.
16- ما يسجل نجاحاً لحركة "حماس" أيضاً أنها جذبت قطاعاً واسعاً من الشارع الفلسطيني والعربي خاصة وتزنّرت بدعم حركة الأخوان المسلمين لها –باعتبارها إطار حركة الإخوان المسلمين الفلسطينية – ما كان مؤثراً، هذا النجاح الذي تساوق مع الإيمان بنظرية المؤامرة على (الإسلاميين) التي ما زالت تشكل أحد أشكال الاستقطاب والتحليل السياسي في الوعي العربي والإسلامي وخاصة عند مناصري الاخوان المسلمين -منذ عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر- الذين لا يفهمون سبب النكبات والأزمات إلا بمنطق المؤامرة، وكيف لا ونحن خير أمة (حزب) أخرجت للناس؟!.
17- في الختام نقول أنه خيراً فعلت حركة "حماس" حينما وافقت على وثيقة الوفاق الوطني المعدلة رغم ما قد تثيره بعض البنود فيها لدى فئة متشددة فيها لا ترى السياسة إلا في لون واحد هو لونها فقط ما قد يمزق النسيج الذي يبدو مترابطا في الحركة التي تقف......على مفترق طرق صعب وبحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة تجنبها الاضمحلال أو التفتت.
* الانقلاب كحل للمأزق
إلا أن الصورة بالايجابيات والسلبيات المذكورة في دراستنا -المشار الى نتائجها أعلاه- عام 2006، سرعان ما تنقلب للون الأحمر فقط بعد الانقلاب الدموي العنيف لحركة "حماس" في غزة ضد السلطة (شهر يونيو2007) الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الثورات الفلسطينية منذ بداية القرن العشرين، والذي جاء حلا للاضمحلال أو التفتت وحلا لمأزقها القيمي والفكري وصراع السلطة فيها الداخلي والخارجي، والذي جعل من كل ما تخوفنا من حدوثه وتوقعناه حقيقة واقعة غطت على عيون منفذيها فأدمت القلوب، وغطت على عيون الحكماء فجعلوا من المتعصبين القتلة يقودونهم كالأنعام في طريق ربما لا يريدونه ولكن لا حول ولا قوة لهم. ونجمل القول بأن:
• "حماس" السياسة تخبط وزلل، و"فتح" السياسة ثبات بلا وجل.
• "فتح" السياسة قمر منير: فكرة واضحة، وثبات على المبادئ، و"حماس" السياسة خيل بلا رجلين: تخبط واستجداء للعدو وحرب على الشقيق.
• "حماس" السياسة فوضى سلاح وعدوان مستمر، و"فتح" السياسة استقرار نسبي ورفض لشروط العدو.
• "فتح" السياسة رأي يحتمل الصواب ويحتمل الخطأ، و"حماس" السياسة قول مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كما يدعون.
• "فتح" السياسة قادة إنسانيون من هذا الشعب المؤمن الصابر يصيبون ويخطئون، و"حماس" السياسة قادة ملائكة ربانيون-في كثير منهم- وأحيانا أنصاف أنبياء وصحابة-كما يدعون- لا يقولون إلا حقا، وما هو بالحق حيث يفتون بما لا يفقهون ويدمرون ويجهلون.
• "حماس" التنظيم تكالب على الدنيا والسلطة والجاه وتمييز للأتباع، و"فتح" تنظيم صاعد شبعان ريان من الدنيا والسلطة، وسعي حثيث لإرضاء الله، ولتحقيق الثوابت، ولخدمة الناس جميعا... جميعا، نعم جميعا دون تمييز ودون استثناء.
سادسا: الأجيال في حركة "فتح":
لو مر على تنظيم غير "فتح" من المشاكل والأزمات والمؤامرات التي مرت بها "فتح" لانشطر إلى ألف قطعة أو لخبت ناره، واندثر، ولكن شعلة حركة "فتح" ذات الضياء لا تنطفئ والآلاف ينضمون يوميا ليعلنوا الولاء لله و لفلسطين عبر الولاء لـ"فتح".
ولو كان في نيتنا التعرض لأزمات حركة "فتح" ومشاكلها ونقدها في ذكرى الانطلاقة العملاقة لفعلنا، لأننا لا نخشى في الحق لومة لائم ولا نخشى النقد والنقد الذاتي في "فتح"، كما لا نخاف المراجعة للمسيرة، والاعتراف بالأخطاء، تلك التي عندما تصدر عن الآخرين تعد منهم مقدسات وأحاديث نبوية أو مسلكيات شريفة لا يجوز المساس بها.